إن إرادة الله قد جعلت للحياة البشرية نواميس لا تتخلف، وسننا لا تتبدل، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج فتنفذ إرادة الله وتحق كلمته. والله لا يأمر بالفسق، لأن الله لا يأمر بالفحشاء. لكن وجود المترفين في ذاته، دليل على أن الأمة قد تخلخل بناؤها، وسارت في طريق الانحلال، وأن قدر الله سيصيبها جزاء وفاقا.
وهي التي تعرضت لسنة الله بسماحها للمترفين بالوجود والحياة.
فالإرادة هنا ليست إرادة للتوجيه القهري الذي ينشىء السبب، ولكنها ترتب النتيجة على السبب. الأمر الذي لا مفر منه لأن السنة جرت به. والأمر ليس أمرا توجيهيا إلى الفسق، ولكنه إنشاء النتيجة الطبيعية المترتبة على وجود المترفين وهي الفسق. وهنا تبرز تبعة الجماعة في ترك النظم الفاسدة تنشئ آثارها التي لا مفر منها. وعدم الضرب على أيدي المترفين فيها كي لا يفسقوا فيها فيحق عليها القول فيدمرها تدميرا .. [1]
وقال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) } [الأنبياء:11 - 15]
لقدْ أهْلكْنا قُرىً وأُممًا كثِيرةً كانتْ ظالِمةً بِكُفْرِها وفسادِها، وتكْذِيبِها الرُّسُل، وأنْشأنا بعْدهُم أقْوامًا آخرِين، خلفُوهُم فِي الأرْضِ. ويتهكّمُ اللهُ تعالى عليهِم لِفِرارِهِمْ هربًا مِن العذابِ، ويأْمُرُ بِأنْ يُنادى عليْهِمْ: ارْجِعُوا إِلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِن النِّعْمةِ والسُّرُورِ، والعيْشِ الرّغِيدِ، والمساكِنِ الطّيِّبةِ، لِتُسْألُوا عمّا كُنْتُمْ فِيهِ مِن النّعِيمِ، وهلْ أدّيْتُمُ الشُّكْر عليْهِ للهِ تعالى. وما زالُوا يُردِّدُون تِلْك المقالة، وهِي الاعْتِرافُ بالظُّلْمِ والكُفْرِ، حتّى حصدهُمُ اللهُ حصْدًا، وأهْلكهُم وأخْمدا أنْفاسهُم، فلمْ يعُدْ يُسْمعُ لهُم حِسٌ .. [2]
هو تعريض بأهل القرية «مكة» ،وتهديد لهم بأن يسلكوا في عداد القرى الظالمة التي قصمها الله، أي أهلكها، وقطع دابرها .. ثم أقام مكانهم «قَوْمًا آخَرِينَ» .والقصم: القطع الحاسم، وهو أشد من القضم.
قوله تعالى: «فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ» .البأس: العذاب، والبلاء.
أي فلما أراد الله أن يأخذ الظالمين بظلمهم، ساق إليهم بأسه وعذابه .. فلما استشعروا وقوع العذاب بهم، بما طلع عليهم من مقدماته ونذره، ذعروا، وأخذوا يركضون، أي يجرون مسرعين في فزع واضطراب، فرارا من تلك القرية، وخوفا من أن ينهار عليهم بنيانها، أو تخسف بهم أرضها.
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2894)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2448، بترقيم الشاملة آليا)