ولا يدل هذا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يضر العبدَ تركُهما وإهمالُهما، فإنه لا يتم هداه، إلا بالإتيان بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
نعم، إذا كان عاجزا عن إنكار المنكر بيده ولسانه وأنكره بقلبه، فإنه لا يضره ضلال غيره. [1]
أنتم وحدة منفصلون عمن سواكم، متضامنون متكافلون فيما بينكم. فعليكم أنفسكم .. عليكم أنفسكم فزكوها وطهروها وعليكم جماعتكم فالتزموها وراعوها ولا عليكم أن يضل غيركم إذا أنتم اهتديتم. فأنتم وحدة منفصلة عمن عداكم وأنتم أمة متضامنة فيما بينها بعضكم أولياء بعض، ولا ولاء لكم ولا ارتباط بسواكم.
إن هذه الآية الواحدة تقرر مبادئ أساسية في طبيعة الأمة المسلمة، وفي طبيعة علاقاتها بالأمم الأخرى.
إن الأمة المسلمة هي حزب اللّه. ومن عداها من الأمم فهم حزب الشيطان. ومن ثم لا يقوم بينها وبين الأمم الأخرى ولاء ولا تضامن، لأنه لا اشتراك في عقيدة ومن ثم لا اشتراك في هدف أو وسيلة ولا اشتراك في تبعة أو جزاء.
وعلى الأمة المسلمة أن تتضامن فيما بينها وأن تتناصح وتتواصى، وأن تهتدي بهدي اللّه الذي جعل منها أمة مستقلة منفصلة عن الأمم غيرها .. ثم لا يضيرها بعد ذلك شيئا أن يضل الناس حولها ما دامت هي قائمة على الهدى.
ولكن ليس معنى هذا أن تتخلى الأمة المسلمة عن تكاليفها في دعوة الناس كلهم إلى الهدى. والهدى هو دينها هي وشريعتها ونظامها. فإذا هي أقامت نظامها في الأرض بقي عليها أن تدعو الناس كافة، وأن تحاول هدايتهم، وبقي عليها أن تباشر القوامة على الناس كافة لتقيم العدل بينهم ولتحول بينهم وبين الضلال والجاهلية التي منها أخرجتهم ..
إن كون الأمة المسلمة مسؤولة عن نفسها أمام اللّه لا يضيرها من ضل إذا اهتدت، لا يعني أنها غير محاسبة على التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينها أولا، ثم في الأرض جميعا. وأول المعروف الإسلام للّه وتحكيم شريعته وأول المنكر الجاهلية والاعتداء على سلطان اللّه وشريعته. وحكم الجاهلية هو حكم الطاغوت، والطاغوت هو كل سلطان غير سلطان اللّه وحكمه .. والأمة المسلمة قوامة على نفسها أولا وعلى البشرية كلها أخيرا.
وليس الغرض من بيان حدود التبعة في الآية كما فهم بعضهم قديما - وكما يمكن أن يفهم بعضهم حديثا - أن المؤمن الفرد غير مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - إذا اهتدى هو بذاته - ولا أن الأمة المسلمة غير مكلفة إقامة شريعة اللّه في الأرض - إذا هي اهتدت بذاتها - وضل الناس من حولها.
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 246)