الإيمان! هذا وإلا حقت على المجتمع اللعنة التي حقت على بني إسرائيل: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) } [المائدة:78،79] . [1]
وقال تعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا عليْكُمْ أنْفُسكُمْ لا يضُرُّكُمْ منْ ضلّ إِذا اهْتديْتُمْ إِلى اللّهِ مرْجِعُكُمْ جمِيعًا فيُنبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تعْملُون (105) } [المائدة:105]
يأمُرُ اللهُ تعالى المٌُؤْمِنين بِأنْ يُصْلِحُوا أنْفُسهُمْ، وأنْ يفْعلُوا الخيْر جهْد طاقتِهِمْ، لِيتقرّبُوا بِذلِك إلى اللهِ. ويُخْبِرُهُمْ تعالى أنّهُ منْ أصْلح نفْسهُ وأمْرهُ مِنْهُمْ، فلا يضُرُّهُ فسادُ منْ فسد مِن النّاسِ، سواءٌ اكان قرِيبًا أوْ بعِيدًا،""
فعنْ عُتْبة بْنِ أبِي حكِيمٍ، قال: حدّثنِي عمْرُو بْنُ جارِية اللّخْمِيُّ، حدّثنا أبُو أُميّة الشّعْبانِيُّ، قال: أتيْتُ أبا ثعْلبة الْخُشنِيّ، فقُلْتُ: يا أبا ثعْلبة كيْف تقُولُ فِي هذِهِ الآيةِ: {لا يضُرُّكُمْ منْ ضلّ إِذا اهْتديْتُمْ} [المائدة:] ؟ قال: أما واللّهِ لقدْ سألْت عنْها خبِيرًا: سألْتُ رسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فقال: بلِ ائْتمِرُوا بِالْمعْرُوفِ وتناهوْا عنِ الْمُنْكرِ، حتّى إِذا رأيْت شُحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتّبعًا، ودُنْيا مُؤْثرةً، وإِعْجاب كُلِّ ذِي رأْيٍ بِرأْيِهِ، فعليْك نفْسك، ودعْ أمْر الْعوامِّ، فإِنّ مِنْ ورائِكُمْ أيّامًا، الصّبْرُ فِيهِنّ مِثْلُ قبْضٍ على الْجمْرِ، لِلْعامِلِ فِيهِنّ مِثْلُ أجْرِ خمْسِين رجُلًا يعْملُون مِثْل عملِهِ، قال وزادنِي غيْرُهُ يا رسُول اللهِ، أجْرُ خمْسِين مِنْهُمْ؟ قال: خمْسِين مِنْكُمْ. [2]
فالمُؤْمِنُ لا يكُونُ مُهْتدِيًا إذا أصْلح نفْسهُ، ولمْ يهْتمّ بإِصْلاحِ غيْرِهِ، بِأنْ يأمُرهُ بِالمعْرُوفِ، وينْهاهُ عنِ المُنْكرِ، فهذا فرْضٌ لا هوادة فِيهِ، ولكِنّ هذِهِ الفرِيضةُ تسْقُطُ إذا فسد النّاسُ فسادًا لا يُرْجى معهُ تأثِيرُ الوعْظِ والإِرْشادِ. [3]
وإذا كان الحلال بيّنا والحرام بيّنا، وإذ قد دعى الضالون، إلى الهدى، فلم يسمعوا، ونودوا من قريب إلى الرشاد فلم يرشدوا. «وقالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا» - إذ كان ذلك فلا يشغل المؤمنون أنفسهم بهم، ولا يقفوا طويلا معهم على هذا المرعى الوبيل، الذي يرعون فيه، فلربما غفل المؤمنون عن أنفسهم وهم على هذا الموقف، وفاتهم ما كان ينبغى أن يحصلوه لأنفسهم من خير ..
وفى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» دعوة للمؤمنين أن يلتفتوا إلى أنفسهم أولا، وأن يعملوا على تحصينها من مسارب الضلال، وتزويدها بالمزيد من البر والتقوى .. فإنهم إن أنقذوا أنفسهم أولا كان ذلك كسبا لهم، وللحياة الإنسانية .. وذلك ما ينبغى أن يكون موضع نظرهم، ومحل اهتمامهم
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1346)
(2) - صحيح ابن حبان - (2/ 109) (385) صحيح
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 775، بترقيم الشاملة آليا)