قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24]
أمر اللهُ تعالى رسُولهُ - صلى الله عليه وسلم - بِتوعُّدِ منْ آثر حُبّ القرابةِ والعشِيرةِ والأهْلِ والتِّجارةِ والأمْوالِ والمساكِنِ .... على حُبِّ اللهِ ورسُولِهِ والجِهادِ فِي سبِيلِهِ، بِأنْ يتربّصُوا أمْر اللهِ فِيهِمْ، وينْتظِرُوا عِقابهُ ونكالهُ بِهِمْ، واللهُ تعالى لا يهْدِي الفاسِقِين الخارِجِين عنْ طاعتِهِ سواء السّبِيلِ .. [1]
فى هذه الآية وضع للمسلمين في مواجهة التجربة والاختبار لإيمانهم، واختيار ما يحبون وما يؤثرون ..
فالإيمان في جانب .. والآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والديار .. في جانب آخر ..
وعلى المؤمن أن يختار بين الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله، وبين أهله، وماله ودياره.
والاختيار هنا يمكن أن يجرّ به الإنسان بينه وبين نفسه، حين يورد على مشاعره هذين الطرفين المتنازعين في كيانه، وأن يستعرضهما واحدا بعد الآخر، وأن يفترض أنه إذا لم يكن من الممكن الجمع بينهما، فأيهما يؤثر أن يمسك به، ويعيش معه؟
فإذا آثر الإيمان على الولد والأهل والمال والموطن، كان على الصفة التي يتحقق بها الإيمان الذي يقبله الله منه، ويرضاه له .. وإن كان العكس، وآثر الولد والأهل والمال والموطن، على الإيمان بالله ورسوله والولاء للمؤمنين، والجهاد في سبيل الله، فهو أقرب إلى الجبهة المعادية للإسلام، منه إلى الجبهة الموالية له .. «والمرء مع من أحبّ» .
وفى وصف الأموال، بأنها أموال مقترفة إشارة إلى أن المال غاد ورائح .. وأنه أشبه بالمنكر، إذ كان أكثر ما يجىء المال من حصيلة الصراع بين الناس والناس.
وفى قوله تعالى: «وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها» إشارة إلى ما قد يصيب السّوق التجارية من كساد، حين تقوم القطيعة بين المؤمنين والمشركين.
وفى قوله تعالى: «فتربصوا» تهديد ووعيد لأولئك الذين يؤثرون علاقاتهم الدنيوية، على الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله .. والتربص:
الانتظار .. ووراء هذا الانتظار ما يسوء أولئك الذين آثروا الآجلة على العاجلة حين يرون نصر الله للمؤمنين، وما فتح الله عليهم به من مغانم في الدنيا، ورضوان في الآخرة، وجنّات لهم فيها نعيم مقيم.
ويلاحظ أن قوله تعالى: «قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ .. الآية» قد انتظم كل ما تتعلق به النفوس، وتحرص عليه .. وليس وراءه من أمور الدنيا ما يطلبه الإنسان، ويعلق به ..
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1260، بترقيم الشاملة آليا)