ولنْ يتمنّى هؤُلاءِ الكافِرُون بِك يا مُحمّدُ أنْ ينْزِل بِهِم الموتُ أبدًا، لأنّهُمْ ما قدّمتْ أيْدِيهِمْ، وما أسْلفتْ مِنْ سيِّئِ الأعْمالِ، فهُمْ يخافُون عِقاب الله عليها، واللهُ يعْلمُ أنّهُمْ ظالِمُون في قوْلِهِمْ: إِنّ الدّار الآخِرة خالِصةٌ لهُم مِنْ دُونِ النّاسِ.
ولتجِدنّ يا مُحمّدُ اليهُود أحْرص النّاسِ على البقاءِ فِي الحياةِ، حتّى لتجِدنّهُمْ أحْرص مِن المُشْرِكِين الذِين لا كِتاب لهُمْ، ولا يعْتقدُون بِوُجُودِ بعْثٍ وحشْرٍ وحِسْابٍ على الأعْمالِ، ولِذلِك حصرُوا همّهُمْ في الحياةِ الدُّنيا أمّا اليهُودُ فِإِنّهُمْ يُؤْمِنُون بِالبعْثِ والحِسابِ، ويعْلمُون ما قدّمتْ أيْدِيْهِمْ مِنْ كُفْرٍ وخُرُوجٍ عنْ أمْرِ اللهِ، وقتْلٍ لأنْبِيائِهِ، ويعْلمُون ما ينْتظِرُهُمْ فِي الآخِرةِ مِنْ مقْتِ اللهِ وغضبِهِ وشدِيدِ عذابِهِ، ولِذلِك فإِنّهُمْ يتمنّون أنْ يكُون بيْنهُمْ وبيْن يوْمِ القِيامةِ أمدٌ بعِيدٌ، وأنْ يعِيشُوا دهْرًا طوِيلًا لِكيْلا يصِلُوا إلى العذابِ الذِي ينْتظِرُهُمْ في الآخِرةِ.
ويرُدُّ اللهُ تعالى عليْهِمْ قائِلًا: ولوْ عاش أحدُهُمْ ألْف سنةٍ، فليْس ذلِك بِمُنْجِيهِ مِن العذابِ، ما دام مُقِيمًا على كُفْرِهِ، ومُصِرًا على الإِتْيانِ بِالأعْمالِ السّيِّئةِ، واللهُ مُبْصِرٌ ومُشاهِدٌ ما يعْملُون [1] .
إن الدعوى التي يدعيها بنو إسرائيل، ليتخذوا منها مقنعا لهم وللناس، من أنّهم أبناء الله، وأنهم موضع رعايته واختصاصه إياهم بالرحمة والرضوان- هذه الدعوى مفتراة على الله، أوردوا بها أنفسهم موارد الضلال والهلكة ..
وليس أدل على بطلان هذه الدعوى وفساد هذا المتعلّق الذي يتعلقون به، من أنهم لو كانوا يؤمنون حقّا بصدق هذه الدعوى لكان تعلقهم بالدار الآخرة أكثر من تعلقهم بالحياة الدنيا، ففى الآخرة نعيم لا ينفد أبدا، وسعادة شاملة لا تدخل عليها شائبة من شقاء أو نصب .. ولكن القوم يتعلقون بالحياة الدنيا أشد التعلق، وينفرون من كل أمر يقطعهم عن هذه الحياة ويصلهم بالآخرة، أشدّ النفور .. «وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا» ..
فهم أحرص الناس جميعا بلا استثناء على الحياة، حتى إنّ المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة، ولا يرجون حياة بعد هذه الحياة ليس فيهم هذا الحرص على التمسك بالحياة التي يحرص اليهود عليها هذا الحرص العجيب .. «يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ» ليستوفى حطّه من الجمع والاقتناء .. «وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ» فليس له من هذا المصير مهرب، وإن امتد عمره إلى آلاف السنين!. [2]
لن يتمنوه. لأن ما قدمته أيديهم للآخرة لا يطمعهم في ثواب، ولا يؤمنهم من عقاب. إنه مدخر لهم هناك، واللّه عليم بالظالمين وما كانوا يعملون.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 101، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (1/ 112)