فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 849

وراء كلمته، ليقيم لها مكانا في عالم الواقع المحقق .. وإنه حين تبطل الكلمة، ولا تجد لها مكانا في الواقع المحقق، يكون ذلك دليلا قائما على ضعف صاحبها، وسقوط همته .. وأن كلماته التي ينطق بها ليست إلا أصواتا ضائعة في الهواء!.

وفى التعبير عن كلمة الله بالعلوّ، إشارة إلى أن كلمات الله سبحانه، هى في المكان المتمكن، الذي تستولى به على كل شىء، بحيث لا تقف لها قوة، ولا يحول دونها حائل ..

وفى وضع ضمير الفصل «هى» بين المبتدأ والخبر في قوله سبحانه:

«وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا» إشارة أخرى إلى كلمة الله، وإلى تحقيقها، وإفرادها بهذه المنزلة دون غيرها من الكلام البشرى على أي مستوى .. فهى وحدها هى العليا، المتفردة بهذا المقام المتمكن من العلوّ ..

ولهذا جاء بعدها الوصف المناسب لله سبحانه وتعالى، صاحب هذه الكلمة: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» .. فهو العزيز الذي لا عزة لأحد مع عزّته، وهو الحكيم الذي- مع ماله من عزّة مطلقة، ومن سلطان لا ينازع- يضع الأمور مواضعها القائمة على ميزان الحكمة والعدل والإحسان ..

أما هؤلاء المشركون، الذين يستشعرون العزّة والقوة من أنفسهم على غيرهم من الضعفاء، فإن عزّتهم عزة غاشمة جهولة، وقوتهم قوة عمياء حمقاء، تضرب بغير حساب، ولا تقدير! والغار الذي تشير إليه الآية الكريمة، هو غار ثور، في أعلى جبل يقال له جبل ثور، على مسيرة ساعة من مكة، على يمين المتجه إلى المدينة. [1]

اعلم أن كثيرا من هذه السورة الكريمة، نزلت في غزوة تبوك، إذ ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين إلى غزو الروم، وكان الوقت حارا، والزاد قليلا والمعيشة عسرة، فحصل من بعض المسلمين من التثاقل ما أوجب أن يعاتبهم الله تعالى عليه ويستنهضهم، فقال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ألا تعملون بمقتضى الإيمان، وداعي اليقين من المبادرة لأمر الله، والمسارعة إلى رضاه، وجهاد أعدائه والنصرة لدينكم، فـ {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ} أي: تكاسلتم، وملتم إلى الأرض والدعة والسكون فيها.

{أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} أي: ما حالكم إلا حال من رضي بالدنيا وسعى لها ولم يبال بالآخرة، فكأنه ما آمن بها.

{فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} التي مالت بكم، وقدمتموها على الآخرة {إِلا قَلِيلٌ} أفليس قد جعل الله لكم عقولا تَزِنُون بها الأمور، وأيها أحق بالإيثار؟.

(1) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 769)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت