وأن تلفّتهم إلى الأرض، وانحدارهم إليها، هو رجعة إلى الوراء، ونكوص على الأعقاب ..
وثانى الأمرين: أن التثاقل إلى الأرض يفيد الاختلاط بها، والامتزاج بترابها .. وأن هذا الإنسان المؤمن الذي كان يحلّق بإيمانه فوق هذا العالم الترابي، قد أصبح بهذا التثاقل في عداد هذه الكائنات التي تدبّ على الأرض، من هوامّ وحشرات! ومن هذه الصورة التي ترتسم للمؤمن من كلمة «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ» ما يريه المصير الذي هو صائر إليه، إن هو أمسك بنفسه مع هؤلاء المتثاقلين على الأرض، حين يدعو داعى الحق: أن حىّ على الجهاد في سبيل الله ..
وفى قوله تعالى: «أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ» إنكار على هؤلاء الذين يفاضلون بين الحياة الدنيا والآخرة، بل ويفضّلون الحياة الدنيا على الآخرة، بعد أن رأوا بأعينهم ما انكشف لهم من قوله تعالى: «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ .. »
فذلك غبن فاحش لا يرضاه عاقل لنفسه، ولا يصبر عليه لحظة، إن هو وقع فيه.
ثم يجىء قوله تعالى: «فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ» حقيقة كاشفة مقررّة، يجدها بين يديه من لم ينكشف لبصره أو لبصيرته ما حملت من كلمات الله إليه من عرض هذا الوضع السيء الذي هو فيه من تثاقل إلى الأرض، ومن إيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وما على هذه الأرض على ما في السماء! يجىء بعد هذا قوله تعالى: «إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» - يجىء حاملا مقارع من حديد، يوقظ بها هؤلاء النيام الذين لا توقظهم العبرة ولا الموعظة الحسنة ..
إنهم إن لم ينتزعوا أنفسهم من هذه الأرض التي لصقوا بها، وإن لم يخفّوا إلى القتال مسرعين، أخذهم الله بعذابه، وأنزلهم منازل الهوان والنقمة، وأقام مقامهم قوما آخرين، يجاهدون في سبيل الله، ويأخذون هذا المقام الكريم الذي كان مهيأ لهم من قبل، فتخلّوا عنهم مختارين، حين تثاقلوا عن الجهاد، واستحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة .. وإنهم بهذا قد أوقعوا الضرر بأنفسهم، وأخذوا الطريق المؤدّى بهم إلى الهلاك، ولن يضروا الله شيئا .. فإن الله- سبحانه- غنىّ عن العالمين .. وإن له- سبحانه- أولياء كثيرين، ينصرون دينه، ويجاهدون في سبيله: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» (38:محمد) .
فتلك هى سنّة الله في عباده «لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» فهناك منحرفون ضالون يتحولون إلى طريق الحق والإيمان .. وهناك مستقيمون مؤمنون ينحرفون إلى طريق الغواية والضلال .. وذلك ليظل الناس في حركة، وعمل .. فمن كان على طريق الحق والتقوى، كان عليه- لكى يحتفظ بمكانه على هذا الطريق- أن يحرس نفسه من أهوائها ونزعاتها ووساوس الشيطان لها .. ومن كان على شعاب الظلام والضلال، كان له- إذا شاء- أن يتحول إلى طريق النور والهدى .. «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .. ومن مظاهر قدرته، هذه الغير التي تقع بالناس، فتنقلهم من حال إلى حال، ومن أسفل إلى أعلا، ومن أعلا إلى أسفل .. فليحذر الإنسان- وخاصة إذا كان على الإيمان- أن يأخذ اتجاها