فهرس الكتاب

الصفحة 565 من 849

إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) [التوبة:38 - 40]

يُعاتِبُ اللهُ تعالى منْ تخلّف، مِن المُؤْمِنِين، عنْ رسُولِ اللهِ فِي غزْوةِ تبُوك، حِين طابتِ الثِّمارُ والظِّلالُ، وكان الْوقْتُ حارًّا قائِظًا، فيقُولُ تعالى لهُمْ: ما لكُمْ أيُّها المُؤْمِنُون إِذا دُعِيْتُمْ إِلى الجِهادِ فِي سبِيلِ اللهِ تكاسلْتُمْ وتباطأْتُمْ، ومِلْتُمْ إِلى الدّعةِ والإِقامةِ فِي الظِّلِ وطِيبِ الثِّمارِ؟ أفعلْتُمْ ذلِك رِضًا مِنْكُمْ بِالْحياةِ الدُّنْيا بدلًا مِن الآخِرةِ؟ وما قِيمةُ الحياةِ الدُّنْيا وما متاعُها إِلاّ قلِيلٌ بِالنِّسْبةِ إِلى الآخِرةِ، إِذْ ينْتظِرُون المُؤْمِنِين رِضْوانٌ مِنْ ربِّهِمْ ورحْمةٌ، وجنّاتٌ عرْضُها كعرْضِ السّماواتِ والأرْضِ.

وإِذا لمْ تنْفِرُوا مع الرّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -،ولمْ تخْرُجُوا معهُ إِلى الجِهادِ فإِنّ الله سيُعذِّبُكُمْ عذابًا ألِيمًا فِي الدُّنْيا، بِزوالِ النِّعْمةِ وغيْرِها عنْكُمْ، وفِي الآخِرةِ فِي نارِ جهنّم، ولا يصْعُبُ على اللهِ أنٍ يسْتبْدِل قوْمًا غيْركُمْ بِكُمْ، يخِفُّون لِنُصْرةِ نبِيِّهِ، ويُجاهِدُون بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سبِيلِ اللهِ، فهُو قادِرٌ على كُلِّ شيءٍ، وليْس فِي ذلِك ما يضُرُّ الله، لأنّهُ الغنِيُّ عنِ العِبادِ، والنّاسُ كُلُّهُمْ مُحْتاجُون إِليْهِ.

يا أيُّها المُؤْمِنُون إِذا لمْ تنْصُرُوا رسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فإِنّ الله ناصِرُهُ ومُؤيِّدُهُ وكافِيهِ، كما تولّى نصْرهُ حِين أخْرجهُ الّذِين كفرُوا مِنْ مكّة حِين هاجِر، فخرج مِنْها هارِبًا بِصُحْبةِ صدِيقِهِ وصاحِبِهِ أبِي بكْرٍ، فلجأ إلى غارٍ فِي جبلِ ثوْرٍ ثلاثة أيّامٍ، وخرجتْ قُريْشٌ فِي آثارِهِما حتّى وقفُوا بِبابِ الغارِ، فقال لهُ أبُو بكرٍ جزِعًا: لوْ نظر أحدُهُمْ موْضِع قدميْهِ لرآنا. فقال لهُ الرّسُولُ - صلى الله عليه وسلم:ما ظنُّك بِاثْنيْنِ اللهُ ثالِثُهُما؟ فأنْزل اللهُ طُمأْنِينتهُ وتأْيِيدهُ ونصْرهُ على رسُولِهِ، وأيّدهُ بِالملائِكةِ تحْفظهُ وتحْمِيهِ (بِجُنُودٍ لمْ تروْها) ،وجعل كلِمة الشِّرْكِ وأهْلهُ السُّفْلى، وجعل كلِمة الإِيمانِ (لا إِله إِلاّ اللهُ) هِي الْعُلْيا، واللهُ عزِيزٌ فِي انْتِقامِهِ وانْتِصارِهِ، وهُو منِيعُ الْجانِبِ لا يُضامُ، وهُو حكِيمٌ فِي شرْعِهِ وتدْبِيرِهِ .. [1]

جاءت هذه الآيات تستحثّ المسلمين على الجهاد في سبيل الله، وتنكر على المترددين والمتلبّثين ترددهم وتلبثهم في الاستجابة لدعوة الله، والنّفر إلى الجهاد في سبيله، في غير تراخ أو فتور، كما يقول الله سبحانه:

«انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .

وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ» الاستفهام هنا إنكارى، إذ ينكر على من آمن بالله، ولبس لباس المؤمنين به، ألّا يكون في المجاهدين في سبيل الله ..

والنّفر إلى الحرب: السّعى إليها في جدّ وعزم ومضاء ..

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1274، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت