فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر اللّه أو في ثوابه، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء.
والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع. وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ويصقل. وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات، فلا يبقى صامدا إلا أصلبها عودا وأقواها طبيعة، وأشدها اتصالا باللّه، وثقة فيما عنده من الحسنيين: النصر أو الأجر، وهؤلاء هم الذين يسلّمون الراية في النهاية. مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار.
وإنهم ليتسلمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن وبما بذلوا لها من الصبر على المحن وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات. والذي يبذل من دمه وأعصابه، ومن راحته واطمئنانه، ومن رغائبه ولذاته. ثم يصبر على الأذى والحرمان يشعر ولا شك بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام.
فأما انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفل به وعد اللّه. وما يشك مؤمن في وعد اللّه. فإن أبطأ فلحكمة مقدرة، فيها الخير للإيمان وأهله. وليس أحد بأغير على الحق وأهله من اللّه. وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة، ويقع عليهم البلاء، أن يكونوا هم المختارين من اللّه، ليكونوا أمناء على حق اللّه. وأن يشهد اللّه لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للابتلاء:
جاء في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَعُودُهُ فِي نِسَاءٍ، فَإِذَا سِقَاءٌ مُعَلَّقٌ نَحْوَهُ يَقْطُرُ مَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ مِنْ حَرِّ الْحُمَّى، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاَءً الأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. [1] ..
وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ عَمَّتِهِ، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي نِسْوَةٍ وَقَدْ مَرَّ بِنِسَاءٍ، وَقَدْ عَلَّقَ فِي شَجَرَةٍ وَاضَّجَعَ تَحْتَهُ يَلْتَمِسُ بُرْدَهُ، وَهُوَ يَقْطُرُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، لَوْ دَعَوْتَ الله فَكَشَفَ عَنْكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاَءً الأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. [2]
وأما الذين يفتنون المؤمنين، ويعملون السيئات، فما هم بمفلتين من عذاب اللّه ولا ناجين. مهما انتفخ باطلهم وانتفش، وبدا عليه الانتصار والفلاح. وعد اللّه كذلك وسنته في نهاية المطاف: «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا؟ ساءَ ما يَحْكُمُونَ!» .. فلا يحسبن مفسد أنه مفلت ولا سابق، ومن يحسب هذا فقد ساء حكمه، وفسد تقديره، واختل تصوره.
(1) -مسند أحمد (عالم الكتب) [8/ 743] (27079) 27619 صحيح
(2) -اتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة [4/ 128] [3827] صحيح