فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 849

وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها باللّه، وهي تعاني وتتألم وتبذل ولا تجد لها سندا إلا اللّه، ولا متوجها إلا إليه وحده في الضراء. وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن به اللّه. فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به اللّه.

وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها للّه ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها. واللّه يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئا من المشاعر الأخرى التي تلابسه. عنْ أبِى مُوسى قال جاء رجُلٌ إِلى النّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسُول اللّهِ، ما الْقِتالُ فِى سبِيلِ اللّهِ فإِنّ أحدنا يُقاتِلُ غضبًا، ويُقاتِلُ حمِيّةً. فرفع إِليْهِ رأْسهُ - قال وما رفع إِليْهِ رأْسهُ إِلاّ أنّهُ كان قائِمًا - فقال «منْ قاتل لِتكُون كلِمةُ اللّهِ هِى الْعُلْيا فهُو فِى سبِيلِ اللّهِ عزّ وجلّ» [1] .

كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد اللّه أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصا، ويذهب وحده هالكا، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار! وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماما. فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارا من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة. فيشاء اللّه أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريا للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية!

وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة. فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار. فيظل الصراع قائما حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر، ولاستبقائه!

من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه اللّه، قد يبطئ النصر، فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام. مع دفاع اللّه عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية.

وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن اللّه به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه: «ولينْصُرنّ اللّهُ منْ ينْصُرُهُ إِنّ اللّه لقوِيٌّ عزِيزٌ. الّذِين إِنْ مكّنّاهُمْ فِي الْأرْضِ أقامُوا الصّلاة، وآتوُا الزّكاة، وأمرُوا بِالْمعْرُوفِ، ونهوْا عنِ الْمُنْكرِ ولِلّهِ عاقِبةُ الْأُمُورِ» ..

فوعد اللّه المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره .. فمن هم هؤلاء الذين ينصرون اللّه، فيستحقون نصر اللّه، القوي العزيز الذي لا يهزم من يتولاه؟ إنهم هؤلاء: «الّذِين إِنْ مكّنّاهُمْ فِي الْأرْضِ» .. فحققنا لهم النصر، وثبتنا لهم الأمر .. «أقامُوا الصّلاة» .. فعبدوا اللّه ووثقوا صلتهم به، واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين .. «وآتوُا الزّكاة» .. فأدوا حق المال، وانتصروا على

(1) - صحيح البخارى- المكنز [1/ 221] (123)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت