فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 849

ولم يشأ اللّه أن يترك الإيمان والخير والحق عزلا تكافح قوى الطغيان والشر والباطل، اعتمادا على قوة الإيمان في النفوس وتغلغل الحق في الفطر، وعمق الخير في القلوب. فالقوة المادية التي يملكها الباطل قد تزلزل القلوب وتفتن النفوس وتزيغ الفطر. وللصبر حد وللاحتمال أمد، وللطاقة البشرية مدى تنتهي إليه.

واللّه أعلم بقلوب الناس ونفوسهم. ومن ثم لم يشأ أن يترك المؤمنين للفتنة، إلا ريثما يستعدون للمقاومة، ويتهيأون للدفاع، ويتمكنون من وسائل الجهاد .. وعندئذ أذن لهم في القتال لرد العدوان.

وقبل أن يأذن لهم بالانطلاق إلى المعركة آذنهم أنه هو سيتولى الدفاع عنهم فهم في حمايته: «إِنّ اللّه يُدافِعُ عنِ الّذِين آمنُوا» [1] ..

وأنه يكره أعداءهم لكفرهم وخيانتهم فهم مخذولون حتما: «إِنّ اللّه لا يُحِبُّ كُلّ خوّانٍ كفُورٍ» ..

وأنه حكم لهم بأحقية دفاعهم وسلامة موقفهم من الناحية الأدبية فهم مظلومون غير معتدين ولا متبطرين: «أُذِن لِلّذِين يُقاتلُون بِأنّهُمْ ظُلِمُوا» ..

وأن لهم أن يطمئنوا إلى حماية اللّه لهم ونصره إياهم: «وإِنّ اللّه على نصْرِهِمْ لقدِيرٌ» ..

وأن لهم ما يبرر خوضهم للمعركة فهم منتدبون لمهمة إنسانية كبيرة، لا يعود خيرها عليهم وحدهم، إنما يعود على الجبهة المؤمنة كلها وفيها ضمان لحرية العقيدة وحرية العبادة وذلك فوق أنهم مظلمون أخرجوا من ديارهم بغير حق: «الّذِين أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغيْرِ حقٍّ إِلّا أنْ يقُولُوا: ربُّنا اللّهُ» .. وهي أصدق كلمة أن تقال، وأحق كلمة بأن تقال. ومن أجل هذه الكلمة وحدها كان إخراجهم. فهو البغي المطلق الذي لا يستند إلى شبهة من ناحية المعتدين. وهو التجرد من كل هدف شخصي من ناحية المعتدى عليهم، إنما هي العقيدة وحدها من أجلها يخرجون، لا الصراع على عرض من أعراض هذه الأرض، التي تشتجر فيها الأطماع وتتعارض فيها المصالح وتختلف فيها الاتجاهات

(1) - لم يذكر المؤلف رحمه الله سبب نزول الآيات، فعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ"إِنَّ أول آية أنزلت في القتال حين ابْتَلَى المسلمون بمكة وسطت بهم عشائرهم ليفتنوهم عَنِ الإسلام، وأخرجوهم مِنْ ديارهم وتظاهروا عَلَيْهِمْ، فأنزل الله:"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا الآية وذلك حين أذن لرسوله بالخروج، أذن لَهُمْ بالقتال".تفسير ابن أبي حاتم [9/ 384] (14795) ذكره بلا سند"

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:"لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَكَّةَ قَالَ رَجُلٌ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ فَنَزَلَتْ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا الْآيَةُ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ"جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (23068) صحيح مرسل

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَكَّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ. وَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ"جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (23069) صحيح ...

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَكَّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُخْرِجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَاللَّهِ لَيَهْلِكُنَّ جَمِيعًا فَلَمَّا نَزَلَتْ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا. إِلَى قَوْلِهِ: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ عَرَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ"جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (23071) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت