فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 849

وثانيا: آيات المواريث التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة النساء، تقرر في صراحة واضحة أحكام الميراث بين ذوى القربى، بحيث لا تدع مجالا لغيرهم أن يشاركهم في هذا الميراث، الذي فرض لهم فيها.

فقوله تعالى: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» لا يضيف جديدا إلى ما قررته آيات المواريث: ولو كان لها مكان في أحكام الميراث، لكان مكانها بين آيات الميراث، لا في هذا الموضع الذي يقرر أسسا ومبادئ للعلاقات التي تقوم بين المؤمنين، ثم بينهم وبين غير المؤمنين ..

وثالثا: ما يقال من أن هذه الآية نسخت التوارث الذي قام بين المهاجرين والأنصار بحكم التآخى الذي أقامه الرسول بينهم- متوجّه له، لأن آيات المواريث تغنى في تطبيقها عن الاحتياج إلى نص صريح بتحريم التوارث على هذا النسب الذي أقامه النبىّ الكريم بين المهاجرين والأنصار .. بل إن آيات المواريث نفسها قد تقدمها النصّ القرآنى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا» .. هذا إذا كانت الأحكام الواردة في آيات المواريث تحتاج إلى بيان لعلة التوارث بين الأقارب.

هذا، وقد جاء في سورة الأحزاب قوله تعالى: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا» - جاء هذا مقررا الولاية بالقرابة والنسب، بعد أن أبطل التبنّي! وذلك مراعاة لمقتضى الحال. [1]

والولاية بين المسلمين في إبان نشأة المجتمع المسلم إلى يوم بدر، كانت ولاية توارث وتكافل في الديات وولاية نصرة وأخوة قامت مقام علاقات الدم والنسب والقرابة .. حتى إذا وجدت الدولة ومكن اللّه لها بيوم الفرقان في بدر بقيت الولاية والنصرة، ورد اللّه الميراث والتكافل في الديات إلى قرابة الدم، داخل المجتمع المسلم ..

فأما الهجرة التي يشير إليها النص ويجعلها شرطا لتلك الولاية - العامة والخاصة - فهي الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام - لمن استطاع - فأما الذين يملكون الهجرة ولم يهاجروا، استمساكا بمصالح أو قرابات مع المشركين، فهؤلاء ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية، كما كان الشأن في جماعات من الأعراب أسلموا ولم يهاجروا لمثل هذه الملابسات، وكذلك بعض أفراد في مكة من القادرين على الهجرة .. وهؤلاء وأولئك أوجب اللّه على المسلمين نصرهم - إن استنصروهم في الدين خاصة - على شرط ألا يكون الاعتداء عليهم من قوم بينهم وبين المجتمع المسلم عهد، لأن عهود المجتمع المسلم وخطته الحركية أولى بالرعاية! ونحسب أن هذه النصوص والأحكام تدل دلالة كافية على طبيعة المجتمع المسلم والاعتبارات الأساسية في تركيبه العضوي، وقيمه الأساسية. ولكن هذه الدلالة لا تتضح

(1) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 682)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت