فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 849

للمسلمين من عدوهم، ومنحهم هذا النصر، فما ذلك إلا «لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا» حيث أعطاهم أجر هذا العمل العظيم، الذي هو في حقيقة الأمر لم يكن لهم يد فيه، فلو جرت الأمور على ظاهرها لكانت الدائرة عليهم، ولكان القتل والبلاء فيهم .. فليذكروا هذا، وليتزودوا منه يزاد الإيمان بالله، وعقد العزم على الجهاد في سبيله ..

«وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» (40:الحج) .

وفى وصف البلاء بأنه حسن إشارة إلى الوجه الآخر من وجوه الابتلاء وأنه قد يكون غير حسن كما يقول الله: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» (35:الأنبياء) .

فقد عافى الله المؤمنين من أن يبلوا بالقتل، وأن يمتحنوا بالأسر، فذلك مما يبتلى الله به المؤمنين، ويجزيهم عليه .. ولكن رحمة الله بالمؤمنين في هذا الموقف الذي يلقون فيه الشرك لأول مرة، وينتصرون فيه لأنفسهم- جعلت الابتلاء بالخير دون الشر، وبالعافية دون البلاء .. فظفروا وانتصروا، وسلموا، وغنموا .. ورجعوا بالحسنيين جميعا .. المغانم في الدنيا، والجنة ونعيمها في الآخرة.

وقوله تعالى: «ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ» .الإشارة هنا إلى ما لله سبحانه وتعالى من رعاية لأوليائه، وتمكين لهم من أعدائهم .. فأولياؤه، المجاهدون في سبيله، هم أبدا محفوفون بنصره وتأييده، وأن ما يكيده الكافرون لهم لا يصل إليهم، إلا واهيا، ضعيفا، متخاذلا .. [1]

وقال تعالى: {واذْكُرُوا إِذْ أنْتُمْ قلِيلٌ مُسْتضْعفُون فِي الْأرْضِ تخافُون أنْ يتخطّفكُمُ النّاسُ فآواكُمْ وأيّدكُمْ بِنصْرِهِ ورزقكُمْ مِن الطّيِّباتِ لعلّكُمْ تشْكُرُون (26) } [الأنفال:26]

يُنبِّهُ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين إِلى ما أنْعم بِهِ عليْهِمْ مِن النّعمِ الوفِيرةِ، فقدْ كانُوا قلِيلِي العددِ، مُسْتضْعفِين فِي الأرْضِ، يعْتدِي عليْهِمُ النّاسُ، خائِفِين مِنْ مُجْرِمِي قُريْشٍ، فقوّاهُمْ وآواهُمْ، ونصرهُمْ ورزقهُمْ مِن الطّيِّباتِ، وكُلُّ هذِهِ النّعمِ التِي أنْعم بِها اللهُ عليْهِمْ تسْتحِقُّ مِنْهُمْ أنْ يشْكُرُوهُ عليْها، فاللهُ تعالى مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُكْر مِنْ عِبادِهِ. [2]

اذكروا هذا لتستيقنوا أن الرسول يدعوكم لما يحييكم واذكروه كي لا تقعدوا عن مكافحة الظلم في كل صوره وأشكاله .. اذكروا أيام الضعف والخوف، قبل أن يوجهكم اللّه إلى قتال المشركين، وقبل أن يدعوكم الرسول إلى الطائفة ذاتالشوكة وأنتم كارهون .. ثم انظروا كيف صرتم بعد الدعوة المحيية التي انقلبتم بها أعزاء منصورين مأجورين مرزوقين. يرزقكم اللّه من الطيبات ليؤهلكم لشكره فتؤجروا على شكركم لفضله! ويرسم التعبير مشهدا حيا للقلة والضعف والقلق والخوف: «تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ» ..

(1) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 581)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1187، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت