فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 849

فقد كره له - صلى الله عليه وسلم - أن يفخر بصفة غير صفة النصر للنبي - صلى الله عليه وسلم -،وأن يحارب تحت شارة إلا شارة النصر لهذا الدين .. وهذا هو الجهاد. وفيه وحده تكون الشهادة، وتكون الحياة للشهداء. [1] .

وقال تعالى: {ولا تحْسبنّ الّذِين قُتِلُواْ فِي سبِيلِ اللّهِ أمْواتًا بلْ أحْياء عِند ربِّهِمْ يُرْزقُون (169) فرِحِين بِما آتاهُمُ اللّهُ مِن فضْلِهِ ويسْتبْشِرُون بِالّذِين لمْ يلْحقُواْ بِهِم مِّنْ خلْفِهِمْ ألاّ خوْفٌ عليْهِمْ ولا هُمْ يحْزنُون (170) يسْتبْشِرُون بِنِعْمةٍ مِّن اللّهِ وفضْلٍ وأنّ اللّه لا يُضِيعُ أجْر الْمُؤْمِنِين (171) } سورة آل عمران

يُخْبِرُ اللهُ تعالى عنِ الشُّهداءِ بِأنّهُمْ قُتِلُوا فِي هذِهِ الدّارِ، ولكِنّ أرْواحهُمْ حيّةٌ تُرْزقُ عِنْد اللهِ.

ويقُولُ اللهُ تعالى لِلْمُؤْمِنِين: عليهِمْ ألاّ ينْخدِعُوا بِما يقُولُهُ المُنافِقُون، وما يفْعلُونهُ، فهُمْ يُؤْثِرُون الحياة الدُّنيا على الآخِرةِ، لارْتِيابِهِمْ فِي البعْثِ والحِسابِ فِي الآخِرةِ، فالشُّهداءُ أحْياءٌ يُرْزقُون عِنْد ربِّهِمْ رِزْقًا حسنًا يعْلمُهُ هُو.

ويكُونُ الشُّهداءِ فِي سبِيلِ اللهِ فرِحِين بِما هُمْ فِيهِ مِن النِّعْمةِ والغبْطةِ، التِي منّ اللهُ بِها عليهِمْ، مُسْتبْشِرِين بِإِخْوانِهِمْ الذِين يُقْتلُون بعْدهُمْ فِي سبِيلِ اللهِ، أنّهُمْ يقْدمُون عليْهِمْ حِينما يسْتشْهِدُون، لا يخافُون مِمّا أمامهُمْ، ولا يحْزنُون على ما تركُوهُ فِي الدُّنيا.

وهُمْ مُسْتبْشِرُون مِنْ تلقِّيهِمْ ما يُفِيضُهُ اللهُ عليهِمْ مِن النِّعْمةِ والفضْلِ والثّوابِ، ومِنْ يقِينِهِمْ بِأنّ الله لا يُضيِّعُ أجْر المُؤْمِنِين الصّادِقِين. [2]

لقد شاء اللّه بعد أن جلا في قلوب المؤمنين حقيقة القدر والأجل، وتحدى ما يبثه المنافقون من شكوك وبلبلة وحسرات بقولهم عن القتلى: «لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا» فقال يتحداهم: «قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ..

شاء اللّه بعد أن أراح القلوب المؤمنة على صدر هذه الحقيقة الثابتة .. أن يزيد هذه القلوب طمأنينة وراحة. فكشف لها عن مصير الشهداء: الذين قتلوا في سبيل اللّه - وليس هنالك شهداء إلا الذين يقتلون في سبيل اللّه خالصة قلوبهم لهذا المعنى، مجردة من كل ملابسة أخرى - فإذا هؤلاء الشهداء أحياء، لهم كل خصائص الأحياء. فهم «يُرْزَقُونَ» عند ربهم. وهم فرحون بما آتاهم اللّه من فضله. وهم يستبشرون بمصائر من وراءهم من المؤمنين. وهم يحفلون الأحداث التي تمر بمن خلفهم من إخوانهم .. فهذه خصائص الأحياء: من متاع واستبشار واهتمام وتأثر وتأثير. فما الحسرة على فراقهم؟ وهم أحياء موصولون بالأحياء وبالأحداث، فوق ما نالهم من فضل اللّه، وفوق ما لقوا عنده من الرزق والمكانة؟ وما هذه الفواصل التي يقيمها الناس في تصوراتهم بين الشهيد الحي ومن خلفه من إخوانه؟

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 355)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 462، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت