إنه وصف موح .. إن العبودية للّه هي حقيقة الإيمان وهي في الوقت ذاته أعلى مقام للإنسان يبلغ إليه بتكريم اللّه له فهي تجلى وتذكر في المقام الذي يوكل فيه إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - التبليغ عن اللّه، كما يوكل إليه فيه التصرف فيما خوله اللّه.
وإنه لكذلك في واقع الحياة! إنه لكذلك مقام كريم .. أكرم مقام يرتفع إليه الإنسان ..
إن العبودية للّه وحده هي العاصم من العبودية للهوى، والعاصم من العبودية للعباد .. وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام مقدر له، إلا حين يعتصم من العبودية لهواه كما يعتصم من العبودية لسواه.
إن الذين يستنكفون أن يكونوا عبيدا للّه وحده، يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى.
يقعون من فورهم عبيدا لهواهم وشهواتهم ونزواتهم ودفعاتهم فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص اللّه بها نوع «الإنسان» من بين سائر الأنواع وينحدرون في سلم الدواب فإذا هم شر الدواب، وإذا هم كالأنعام بل هم أضل، وإذا هم أسفل سافلين بعد أن كانوا - كما خلقهم اللّه - في أحسن تقويم.
كذلك يقع الذين يستنكفون أن يكونوا عبيدا للّه في شر العبوديات الأخرى وأحطها .. يقعون في عبودية العبيد من أمثالهم، يصرفون حياتهم وفق هواهم، ووفق ما يبدو لهم من نظريات واتجاهات قصيرة النظر، مشوبة بحب الاستعلاء، كما هي مشوبة بالجهل والنقص والهوى! ويقعون في عبودية «الحتميات» التي يقال لهم: إنه لا قبل لهم بها، وإنه لا بد من أن يخضعوا لها ولا يناقشوها .. «حتمية التاريخ» .. و «حتمية الاقتصاد» .. و «حتمية التطور» وسائر الحتميات المادية التي تمرغ جبين «الإنسان» في الرغام وهو لا يملك أن يرفعه، ولا أن يناقش - في عبوديته البائسة الذليلة - هذه الحتميات الجبارة المذلة المخيفة! [1]
ثم نقف كذلك أمام وصف اللّه - سبحانه - ليوم بدر بأنه يوم الفرقان: «إِنْ كُنْتُمْ آمنْتُمْ بِاللّهِ وما أنْزلْنا على عبْدِنا يوْم الْفُرْقانِ يوْم الْتقى الْجمْعانِ» ..
لقد كانت غزوة بدر - التي بدأت وانتهت بتدبير اللّه وتوجيهه وقيادته ومدده - فرقانا .. فرقانا بين الحق والباطل - كما يقول المفسرون إجمالا - وفرقانا بمعنى أشمل وأوسع وأدق وأعمق كثيرا ..
كانت فرقانا بين الحق والباطل فعلا .. ولكنه الحق الأصيل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وقامت عليه فطرة الأشياء والأحياء .. الحق الذي يتمثل في تفرد اللّه - سبحانه - بالألوهية والسلطان والتدبير والتقدير وفي عبودية الكون كله: سمائه وأرضه، أشيائه وأحيائه، لهذه الألوهية المتفردة ولهذا السلطان المتوحد، ولهذا التدبير وهذا التقدير بلا معقب ولا شريك .. والباطل الزائف الطارئ الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك ويغشي على ذلك الحق الأصيل ويقيم في الأرض طواغيت
(1) - يراجع بتوسع كتاب: «التطور والثبات في حياة البشرية» وكتاب: «جاهلية القرن العشرين» لمحمد قطب. «دار الشروق» . (السيد رحمه الله)