النهاية إلا تلك الفئة المختارة. فخاض بها المعركة ثقة منه بقوة الإيمان الخالص، ووعد اللّه الصادق للمؤمنين.
والعبرة الأخيرة التي تكمن في مصير المعركة .. أن القلب الذي يتصل باللّه تتغير موازينه وتصوراته لأنه يرى الواقع الصغير المحدود بعين تمتد وراءه إلى الواقع الكبير الممتد الواصل، وإلى أصل الأمور كلها وراء الواقع الصغير المحدود. فهذه الفئة المؤمنة الصغيرة التي ثبتت وخاضت المعركة وتلقت النصر، كانت ترى من قلتها وكثرة عدوها ما يراه الآخرون الذين قالوا: «لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ» .. ولكنها لم تحكم حكمهم على الموقف. إنما حكمت حكما آخر، فقالت: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» .. ثم اتجهت لربها تدعوه: «رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» ..
وهي تحس أن ميزان القوى ليس في أيدي الكافرين، إنما هو في يد اللّه وحده. فطلبت منه النصر، ونالته من اليد التي تملكه وتعطيه .. وهكذا تتغير التصورات والموازين للأمور عند الاتصال باللّه حقا، وعند ما يتحقق في القلب الإيمان الصحيح. وهكذا يثبت أن التعامل مع وعد اللّه الواقع الظاهر للقلوب أصدق من التعامل مع الواقع الصغير الظاهر للعيون! ولا نستوعب الإيحاءات التي تتضمنها القصة. فالنصوص القرآنية - كما علمتنا التجربة - تفصح عن إيحاءاتها لكل قلب بحسب ما هو فيه من الشأن وبقدر حاجته الظاهرة فيه. ويبقى لها رصيدها المذخور تتفتح به على القلوب، في شتى المواقف، على قدر مقسوم ..
فنخلص إذن من هذا العرض العام إلى تفصيل النصوص:
«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا. ثُمَّ أَحْياهُمْ. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ» ..
لا أحب أن نذهب في تيه التأويلات، عن هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت .. من - هم؟ وفي أي أرض كانوا؟ وفي أي زمان خرجوا؟ .... فلو كان اللّه يريد بيانا عنهم لبين، كما يجيء القصص المحدد في القرآن. إنما هذه عبرة وعظة يراد مغزاها، ولا تراد أحداثها وأماكنها وأزمانها. وتحديد الأماكن والأزمان لا يزيد هنا شيئا على عبرة القصة ومغزاها ..
إنما يراد هنا تصحيح التصور عن الموت والحياة، وأسبابهما الظاهرة، وحقيقتهما المضمرة ورد الأمر فيهما إلى القدرة المدبرة. والاطمئنان إلى قدر اللّه فيهما. والمضي في حمل التكاليف والواجبات دون هلع ولا جزع، فالمقدر كائن، والموت والحياة بيد اللّه في نهاية المطاف ..
يراد أن يقال: إن الحذر من الموت لا يجدي وإن الفزع والهلع لا يزيدان حياة، ولا يمدان أجلا، ولا يردان قضاء وإن اللّه هو واهب الحياة، وهو آخذ الحياة وإنه متفضل في الحالتين: حين يهب، وحين يسترد والحكمة الإلهية الكبرى كامنة خلف الهبة وخلف الاسترداد. وإن مصلحة الناس متحققة في هذا