فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 849

كان مُلْكُ بنِي إسْرائِيل فِي سِبْطِ يهُوذا ولمّا قال لهُم النّبِيُّ إنّ الملِك سيكُونُ طالُوت، ولمْ يكُنْ مِنْ بيْتِ يهُوذا، احْتجُّوا على ذلِك، وقالُوا كيْف يكُونُ لهُ المُلْكُ علينا وهُو ليْس مِنْ بيْتِ الملِكِ، وليْس مِن الأغْنِياءِ الذِين يسْتطِيعُون تحمُّل نفقاتِ المُلْكِ؟ فقال لهُمْ النّبِيُّ: إن الله اصْطفاهُ واخْتارهُ عليْكُمْ، واللهُ أعْلمُ مِنْكُمْ بِهِ، وزادهُ عِلْمًا وقُوّةً في بدنِهِ، وجعلهُ أصْبر مِنْكُمْ على الحُرُوبِ، واللهُ هُو الحاكِمُ الذِي يفْعلُ ما يشاءُ، ولا يُسْأل عمّا يفْعلُ، وهُو واسِعُ العِلْمِ والفُضْلِ، يخْتصُّ بِرحْمتِهِ منْ يشاءُ، وهُو عليمٌ بِمنْ يسْتحِقُّ المُلْك مِمّنْ لا يسْتحِقُّهُ.

كان عِنْد بنِي إِسْرائِيل التّوْراةُ وتابُوتُ العهْدِ الذِي كان عِنْدهُمْ مُنْذُ مطْلِعِ تارِيخِهِمْ، وكان يرِثُهُ خلفُهُمْ عنْ سلفِهِمْ، وكانُوا يتبرّكُون بِهِ فِي حُرُوبِهِمْ. ولمّا ضلُّوا وبغوْا سلّط اللهُ عليْهِمْ منْ سلبهُمْ إيّاهُ (وهُمُ العمالِيقُ الفِلسْطِينِيُّون) ،وقدْ حاربُوا اليهُود وانْتصرُوا عليهِمْ، فأخذُوا التّابُوتِ ونكّلُوا بِهِمْ تنْكِيلا شدِيدًا، فقال لهُمْ نبِيُّهُمْ إنّ علامةِ رِضا اللهِ على مُلْكِ طالُوت هُو أنْ يرُدّ عليكُمُ التّابُوت فيُورِثكُم ردُّهُ عليكُم السّكِينة والطُّمأنِينة. وفِي التّابُوت التّوراةُ وبقِيّةُ مِمّا ترك مُوسى وهارُونُ ومِنْها بقايا الألْواحِ. فجاءتِ الملائِكةُ تحْمِلُ التّابُوت ووضعتْهُ بيْن يدي طالُوت والنّاسُ ينْظُرُون. وفِي ذلِك آيةٌ لِبني إسْرائِيل على صِدْقِ نُبُوّةِ نبِيِّهِمْ، وعلى صِدْقِهِ فِيما أمرهُمْ بِهِ ربُّهُمْ مِنْ وُجُوبِ إطاعةِ طالُوت، هذا إنْ كانُوا يُؤْمِنُون بِاللهِ واليومِ الآخرِ.

ولمّا خرج طالُوتُ بِجيْشِهِ مِن البلدِ مُتّجِهًا إلى حرْبِ الأعْداءِ، وكان الوقْتُ قائِضًا، سأل بنُو إِسْرائِيل طالُوت الماء، فقال لهُمْ إنّ الله مُخْتبِرُكُمْ بِنهْرٍ ستمُرُّون بِهِ (وهُو نهْرُ الأُرْدُنِّ على قوْلٍ) فمنْ شرِب مِنْهُ فلا يُصاحِبْنِي، ومنْ لمْ يشْربْ مِنْهُ فلْيُصاحِبْنِي، ولكِنْ لا بأس فِي أنْ يغْترِف الواحِدُ غُرْفةً بيديهِ يبُلُّ بِها رِيقهُ، فتمرّد أكْثرُهُمْ، وشربُوا مِن النّهْرِ، وبقِي طالُوتُ فِي فِئةٍ قليلةٍ مِنْ جُنُودِهِ، فاجْتاز بِهِم النّهْر، فلما نظر أصْحابُ طالُوت إلى قِلّةِ عددِهِمْ، وكثْرةِ عدُوِّهِمْ، قالُوا: إِنّهُمْ لا يسْتطِيعُون مُحاربة جالُوت وجُنُودِهِ لِقِلّةِ عددِهِمْ، فشجّعهُمْ عُلماؤهُمْ، وقالُوا لهُمْ: إنّ وعْد اللهِ حقٌّ، وإنّ النّصْر مِنْ عِنْدِ اللهِ، وليْس بِكْثرةِ العددِ والعُدّةِ، وكثيرًا ما غلبتْ قُوّةٌ صغِيرةٌ مُؤْمِنةٌ مُخْلِصةٌ فِي قِتالِها، فِئةً كثِيرة العددِ بِإذْنِ اللهِ، واللهُ يُؤيِّدُ الصّابِرِين وينْصُرُهُمْ.

ولمّا تقدّم المُؤْمِنُون المُتوكِّلُون على اللهِ مع طالُوت لِقِتالِ جالُوت وجُنُودِهِ، دعوا الله ورجوْهُ أنْ يُنْزِل عليهِم الصّبْر على الشِّدّةِ، وأنْ يُثبِّت أقْدامهُم عِنْد لِقاءِ أعْدائِهِمْ، وأنْ يُجنِّبهُمُ العجْز والفِرار، وأنْ يمُنّ عليهِمْ بِالنّصْرِ على القوْمِ الكافِرِين

فهزم المُؤْمِنُون الذِين كانُوا مع طالُوت أعْداءهُمُ الكافِرِين بِإذْنِ اللهِ، وقتل داوُدُ (مِنْ جيْشِ طالُوت) جالُوت ملِك الكُفّارِ، ومنّ اللهُ على داوُد بِأنْ آتاهُ المُلْك الذِي كان بِيدِ طالُوت، والنُّبُوّة (الحِكْمة) ،وعلّمهُ اللهُ مِن العِلْمِ الذِي اخْتصّهُ بِهِ، ولُوْلا أنّ الله يدْفعُ بأس أهْلِ البغْيِ والجوْرِ والآثامِ، بِأهْلِ الصّلاحِ والخيْرِ، لِغلب أهْل الفسادِ، وبغوْا على الصّالِحين، وصار لهُمْ سُلْطانٌ ففسدتِ الأرْضُ، فكان مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت