قلْبِهِ، فيُمِيتُ الإِحْساس والوِجْدان والإِدْراك فِيهِ، فتُشلُّ الإِرادةِ، ويفْقِدُ الإِنْسان سيْطرتهُ على أعْمالِهِ، ويتْبعُ هواهُ، فلا تعُودُ تنْفعُ فِيهِ المواعِظُ والعِبرُ. واللهُ تعالى هُو وحْدهُ القادِرُ على أنْ يُنْقِذهُمْ مِمّا تردّوْا فِيهِ، إِذا اتّجهُوا إلى الطّرِيقِ المُسْتقِيمِ.
ثُمّ يحْشُرُ اللهُ العِباد إِليْهِ يوْم القِيامةِ لِيُحاسِبهُمْ على أعْمالِهِمْ، ويجْزِيهِمْ عليْها بِما يسْتحِقُّون.
يُحذِّرُ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين مِنْ وُقُوعِ البلاءِ والفِتنِ بيْنهُمْ إِذا لمْ يقُومُوا بِواجِبِهِمْ نحْو دِينِهِم وجماعتِهِمْ فِي الجِهادِ، والأمْرِ بِالمعْرُوفِ والنّهْيِ عنِ المُنْكرِ، وفِي الضّرْبِ على أيْدِي المُفْسِدِين، وفِي النُّصْحِ للهِ ولِرسُولِهِ ولِلْمُسْلِمِين، وفِي إِطاعةِ أُوْلِي الأمْرِ. ويُنبِّهُهُمْ تعالى إِلى أنّ العِقاب الذِي يُنْزِلُهُ اللهُ بِالأُممِ المُقصِّرةِ بِالقِيامِ بِواجِباتِها لا يُصِيبُ السّيِّىء وحْدهُ، وإِنّما يعُمُّ بِهِ المُسِيء وغيْرهُ، ويُعْلِمُهُمْ أنّهُ شدِيدُ العِقابِ لِلأُممِ التِي تُخالِفُ سُننهُ وهُدى دِينِهِ، وتُقصِّرُ فِي درْءِ الفِتنِ، وفِي التّعاوُنِ على دفْعِها، والقضاءِ عليْها [1] .
هو نداء بعد نداء للمؤمنين، أن يقبلوا على الله، ويستجيبوا لله ولرسوله، وقد رأوا إعراض المشركين عن الله، ونفورهم من دعوته، فكانوا عند الله شر الدواب وأنكدها حظّا.
فالمطلوب من المؤمنين أن يستجيبوا لأمر الله وأمر رسوله، فيما يدعوهم إليه الرسول من أمر ربه. وهذا يعنى التسليم للرسول بالطاعة والولاء، في كل ما يجيئهم به، ويدعوهم إليه.
وفى قوله تعالى: «إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» إشارة إلى أن ما يدعو به الرسول هو حياة للناس، واستنقاذ لهم من الهلاك والضياع ..
والسؤال هنا هو:
ما معنى «إذا» وهل هى شرطية، بمعنى أن المؤمنين لا يستجيبون للنبي إلا على هذا الشرط، وهو أن يدعوهم للذى فيه حياة لهم؟ وهل يدعو الرسول بغير ما يحمل الحياة إلى الناس من أمر الله؟ وهل للمؤمن أن يتوقّف عند أي أمر يدعوه الرسول إليه حتى يختبره ويصدر حكمه عليه، بعد أن يرى: إن كان فيه حياة له، أو لم يكن؟ وكيف والله سبحانه وتعالى يقول: «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ؟» (36:الأحزاب) .. فما تأويل هذا؟.
والجواب- والله أعلم-:أن هذا القيد الوارد على دعوة الرسول، والأمر بالاستجابة لتلك الدعوة على هذا الوصف، وهى أن تكون دعوة فيها حياة وخير، يصيب الإنسان في جانبيه الروحي والمادي معا- نقول إن هذا القيد يحقق أمرين:
أولهما: الدعوة إلى إيقاظ العقل، وحمله على النظر في كل أمر يواجهه، أو يدعى إليه، ليزنه بميزان الحق والخير، حتى ولو كان هذا الأمر واردا من جهة لا يرد منها إلا الحق المشرق، والخير الخالص.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1185، بترقيم الشاملة آليا)