وهكذا من المتناقضات التي تعيش في عقولهم الفاسدة، إذ كيف يستقيم لذى عقل أن يحقر الأنثى، ويكره وجهها في صورة ابنة هى فلذة من كبده، ثم إذا هو عبد ذليل بين يدى أنثى سوّها بيده من، حجر، أو خشب؟. [1]
وهذا الإعلان من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه مأمور أن يعبد اللّه وحده، ويخلص له الدين وحده وأن يكون بهذا أول المسلمين وأنه يخاف عذاب يوم عظيم إن هو عصى ربه .. هذا الإعلان ذو قيمة كبرى في تجريد عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام هو عبد للّه. هذا مقامه لا يتعداه. وفي مقام العبادة يقف العبيد كلهم صفا، وترتفع ذات اللّه سبحانه متفردة فوق جميع العباد .. وهذا هو المراد.
وعند ذلك يقر معنى الألوهية، ومعنى العبودية، ويتميزان، فلا يختلطان ولا يشتبهان، وتتجرد صفة الوحدانية للّه سبحانه بلا شريك ولا شبيه. وحين يقف محمد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في مقام العبودية للّه وحده يعلن هذا الإعلان، ويخاف هذا الخوف من العصيان، فليس هنالك مجال لدعوى شفاعة الأصنام أو الملائكة بعبادتهم من دون اللّه أو مع اللّه بحال من الأحوال.
ومرة أخرى يكرر الإعلان مع الإصرار على الطريق، وترك المشركين لطريقهم ونهايته الأليمة:
«قُلِ: اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ. قُلْ: إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ» ..
مرة أخرى يعلن: إنني ماض في طريقي. أخص اللّه بالعبادة، وأخلص له الدينونة. فأما أنتم فامضوا في الطريق التي تريدون واعبدوا ما شئتم من دونه. ولكن هنالك الخسران الذي ما بعده خسران. خسران النفس التي تنتهي إلى جهنم. وخسران الأهل سواء كانوا مؤمنين أم كافرين. فإن كانوا مؤمنين فقد خسرهم المشركون لأن هؤلاء إلى طريق وهؤلاء إلى طريق. وإن كانوا مشركين مثلهم فكلهم خسر نفسه بالجحيم .. «أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ» ..
ثم يعرض مشهد الخسران المبين: «لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ. ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ. يا عِبادِ فَاتَّقُونِ» .. وهو مشهد رعيب حقا. مشهد النار في هيئة ظلل من فوقهم وظلل من تحتهم، وهم في طيات هذه الظلل المعتمة تلفهم وتحتوي عليهم. وهي من النار! إنه مشهد رعيب. يعرضه اللّه لعباده وهم بعد في الأرض يملكون أن ينأوا بأنفسهم عن طريقه. ويخوفهم مغبته لعلهم يجتنبونه: «ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ» .. ويناديهم ليحذروا ويتقوا ويسلموا: «يا عِبادِ فَاتَّقُونِ» .
(1) - التفسير القرآني للقرآن (12/ 1131)