ولكل نبي ولكل رسالة. ثم اليقين بالآخرة بلا تردد ولا تأرجح في هذا اليقين .. وهذه كانت صورة الجماعة المسلمة التي قامت في المدينة يوم ذاك، مؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وكانت هذه الجماعة بهذه الصفات شيئا عظيما. شيئا عظيما حقا بتمثل هذه الحقيقة الإيمانية فيها. ومن ثم صنع اللّه بهذه الجماعة أشياء عظيمة في الأرض، وفي حياة البشر جميعا .. ومن ثم كان هذا التقرير: «أُولئِك على هُدىً مِنْ ربِّهِمْ وأُولئِك هُمُ الْمُفْلِحُون» .. وكذلك اهتدوا وكذلك أفلحوا. والطريق للهدى والفلاح هو هذا الطريق المرسوم. [1] .
وقال تعالى: {الم (1) تِلْك آياتُ الْكِتابِ الْحكِيمِ (2) هُدًى ورحْمةً لِلْمُحْسِنِين (3) الّذِين يُقِيمُون الصّلاة ويُؤْتُون الزّكاة وهُمْ بِالْآخِرةِ هُمْ يُوقِنُون (4) أُولئِك على هُدًى مِنْ ربِّهِمْ وأُولئِك هُمُ الْمُفْلِحُون (5) } [لقمان/1 - 6]
هذِهِ هِي آياتُ القُرآنِ الحكِيمِ بيانًا وتفْصِيلًا. وهِي تهدِي مِن الزِّيغِ الذين أحْسنُوا العمل واتّبعُوا الشّرِيعة، وتشْفِيهِمْ من الشّكِ والضّلالةِ. ثُمّ يُعرّفُ اللهُ تعالى هؤُلاءِ الذين يُحْسِنُون العمل، ويهْتدُون بالقُرآن، فيقُولُ: إِنّهُم الذِين يقِيمُون الصّلاة على وجْهِها الأكْملِ، ويُتِمُونّها بِخُشُوعِها ورُكُوعِها وسُجُودِها، ويُؤدُّون الزّكاة المفْرُوضة على أموالِهِم، ويُؤْمِنُون إيمانًا ثابِتًا راسِخًا بِأنّ الله سيعثُ الخلائِق في الآخِرة، وأنّهُ سيُحاسِبُهُمْ على أعْمالِهِمْ، وأنهُ سيجْزِي كُلّ عامِلٍ بِعملِهِ. وهؤُلاءِ الذين اتّصفُوا بالصِّفاتِ المُتقدِّمةِ، هُمْ على بيِِّنةٍ ونُورٍ مِنْ ربِّهِمْ، وهؤُلاءِ هُمُ الفائِزُون بِما أمّلُوا مِنْ ثوابِ اللهِ يوم القِيامةِ، فربحتْ صفْقتُهُمْ. [2]
هذا الكتاب الحكيم. أو آياته. «هُدىً ورحْمةً لِلْمُحْسِنِين» فهذه حاله الأصلية الدائمة .. أن يكون هدى ورحمة للمحسنين. هدى يهديهم إلى الطريق الواصل الذي لا يضل سالكوه. ورحمة بما يسكبه الهدى في القلب من راحة وطمأنينة وقرار وما يقود إليه من كسب وخير وفلاح وبما يعقده من الصلات والروابط بين قلوب المهتدين به ثم بين هذه القلوب ونواميس الكون الذي تعيش فيه، والقيم والأحوال والأحداث التي تتعارف عليها القلوب المهتدية، وتتعارف الفطر التي لا تزيغ ..
والمحسنون هم: «الّذِين يُقِيمُون الصّلاة، ويُؤْتُون الزّكاة، وهُمْ بِالْآخِرةِ هُمْ يُوقِنُون» .. وإقامة الصلاة وأداؤها على وجهها وفي وقتها أداء كاملا تتحقق به حكمتها وأثرها في الشعور والسلوك، وتنعقد به تلك الصلة الوثيقة بين القلب والرب، ويتم به هذا الأنس باللّه وتذوق حلاوته التي تعلق القلوب بالصلاة .. وإيتاء الزكاة يحقق استعلاء النفس على شحها الفطري، وإقامة نظام لحياة الجماعة يرتكن إلى التكافل والتعاون. ويجد الواجدون فيه والمحرومون الثقة والطمأنينة ومودات القلوب التي لم يفسدها
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 233)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 3352، بترقيم الشاملة آليا)