وأمرنِي ربِي بِأنْ أكُون أوّل منْ أسْلم وانْقاد، وأخْلص العِبادة والتّوحِيد للهِ. وقُلْ لهُمْ: إِنِّي أخافُ - وأنا رسُولُ اللهِ - عذاب يوْمِ القِيامةِ الكثِيرِ الأهْوالِ إِنْ عصيْتُ ربِّي، وتركْتُ الإِخْلاص لهُ وإِفْرادهُ بِالرّبُوِبيّةِ. وقُلْ لهُمْ: إِنّنِي أعْبُدُ الله وحْدهُ لا شرِيك لهُ، وأُخْلِصُ لهُ عِبادتِي. فاعْبُدُوا أنْتُمْ أيُّها المُشْرِكُون مِنْ دُونِهِ ما شِئْتُمْ مِنْ أصْنامٍ وأوْثانٍ، وستعْلمُون سُوء منْقلبِكُمْ حِينما تلْقوْن ربّكُمْ يوْم القِيامةِ. وقُلْ لهُمْ يا مُحمّدُ: إِنّ الخُسْران الذِي لا خُسْران بعْدهُ، هُو خُسْرانُ النّفْسِ وإِضاعتُها بِالضّلالِ، وخُسرانُ الأهْلِ، وعدمُ الالْتِقاءِ بِهِمْ يوْم القِيامةِ، سواءٌ ذهب الخاسِرُ إِلى النّارِ وأهْلهُ إِلى الجنّةِ، أوْ ذهبُوا جمِيعًا إِلى النّارِ، وذلِك الخُسْرانُ هُو الخُسْرانُ المُبِينُ الظّاهِرُ لِفظًاعتِهِ وهوْلِهِ. يصِفُ اللهُ تعالى حال هؤُلاءِ الخاسِرِين وهُمْ فِي نارِ جهنّم، فيقُولُ: إِنّهُمْ يكُونُون فِيها، ومِنْ فوْقِهِمْ طبقاتٌ مُتراكِمةٌ مِن النّارِ بعْضُها فوْق بعْضٍ، وكأنّها الظُّللُ، ومِنْ تحْتِهِمْ طبقاتٌ مِثْلُها، فتغْمُرُهُمْ النّارُ مِنْ كُلِّ جانِبٍ، واللهُ تعالى يقُصُّ على النّاسِ ما سيكُونُ عليْهِ حالُ الكُفّارِ يوْم القِيامةِ لِيُخوِّفهُمْ مِنْ أهْوالِ ذلِك اليومِ، فيزْدجِر العُقلاءُ عنِ الكُفْرِ والمعاصِي، ويعْملُوا بِطاعةِ اللهِ، فيا عِباد الله اتّقُوا ربّكُمْ تعالى، وبالِغُوا فِي الخوْفِ والحذرِ، ولا ترْتكِبُوا ما يُسْخِطُ ربّكُمْ عليْكُمْ. والذين اجْتنبُوا عِبادة الأصْنامِ، واتِّباع الشّياطِينِ، وأقْبلُوا على عِبادةِ ربِّهِمْ مُعْرِضِين عمّا سِواهُ، يُبشِّرُهُمْ ربُّهُمْ على ألْسِنةِ رُسُلِهِ بالثّوابِ العظِيمِ حِين الموْتِ، وحِين يلْقون ربّهُمْ يوْم الحِسابِ. الطّاغُوت - الشّيْطان ويُطْلقُ على الواحِدِ والجمْعِ وسُمِّيتْ عِبادةُ الأوْثانِ عِبادةً لِلشّيْطانِ. أوْ هُو الأوْثانُ والمعْبُوداتُ الباطِلةُ. وهؤُلاءِ الذِين اجْتنبُوا الطّاغُوت، وأنابُوا إِلى ربِّهِمْ، وسمِعُوا القوْل فاتّبعُوا أحْسنهُ وأوْلاهُ بالقبُولِ .. هؤُلاءِ يُبشِّرُهُمْ ربُّهُمْ بالنّعِيمِ المُقِيمِ فِي جنّاتِ النّعِيمِ، وأولئِك هُمُ الذِين وفّقهُمُ الله تعالى لِلرّشادِ والصّوابِ، وأولئِك هُمْ أصْحابُ العُقُولِ والأفْهامِ السّلِيمةِ. [1]
هو بيان لحال النبي في هذه الدعوة التي حملها إلى الناس من ربه، وأنه مأمور من الله، بما يأمر الله به عباده جميعا .. فهو والناس في هذا الأمر السماوي على سواء، فلا استثناء لأحد في هذا القانون، كما يقع ذلك في القوانين الوضعية، التي ترفع السلطان عن الخضوع للقانون العام الذي تخضع له الرعية .. بل وأكثر من هذا، فإن صاحب الدعوة- صلوات الله وسلامه عليه- يتلقى هذه الدعوة من ربه في صورة أمر وإلزام، على حين يتلقاها الناس مجرد دعوة لا إلزام فيها، ولا إكراه معها .. «إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ» .
وفى قوله تعالى: «وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ» - إشارة إلى أن رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- هو أول المسلمين: خضوعا لسلطان الله، وامتثالا لأمره، يسلم إليه وجوده، وتخلص له ولاءه .. وأنه- صلوات الله وسلامه عليه- القدوة للمسلمين في طاعة ربه، وفى اتقاء حرماته، وأنه- وهو سلطان المؤمنين- أكثر المؤمنين عبادة لله، واجتهادا في عبادته، واتقاء لحرماته، وخوفا من عقابه .. إنه عبد
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 3948، بترقيم الشاملة آليا)