والبصائر: جمع بصيرة، والبصيرة، قوة من قوى الإدراك المستنير المشرق .. يرى بها الإنسان من عالم الحق، ما يرى البصر من عالم الحسّ ..
وفى تسمية القرآن بأنه «بَصائِرُ» إشارة إلى أنه هو ذاته عيون مبصرة، وأنه بقدر ما يفتح الله للناس منه، بقدر ما يكون لهم من نور تستبصر به عقولهم، وبقدر ما يحصلون من «هُدىً» وما ينالون من «رَحْمَةٌ» .
وقوله تعالى: «لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» - إشارة إلى أن هذا القرآن، وما فيه من بصائر للناس جميعا وهدى ورحمة لهم- لا يرد مورده، ولا يرتوى من هذا المورد إلا من جاء إليه بقلب سليم، مهيأ لاستقبال الخير وتقبله. [1] .
ثم شرعنا لك شريعة كاملة تدعو إلى كل خير وتنهى عن كل شر من أمرنا الشرعي {فَاتَّبِعْهَا} فإن في اتباعها السعادة الأبدية والصلاح والفلاح، {وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} أي: الذين تكون أهويتهم غير تابعة للعلم ولا ماشية خلفه، وهم كل من خالف شريعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هواه وإرادته فإنه من أهواء الذين لا يعلمون.
{إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} أي: لا ينفعونك عند الله فيحصلوا لك الخير ويدفعوا عنك الشر إن اتبعتهم على أهوائهم، ولا تصلح أن توافقهم وتواليهم فإنك وإياهم متباينون، وبعضهم ولي لبعض {واللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} يخرجهم من الظلمات إلى النور بسبب تقواهم وعملهم بطاعته.
و {هَذَا} القرآن الكريم والذكر الحكيم {بَصَائِر لِلنَّاسِ} أي: يحصل به التبصرة في جميع الأمور للناس فيحصل به الانتفاع للمؤمنين، والهدى والرحمة.
{لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} فيهتدون به إلى الصراط المستقيم في أصول الدين وفروعه ويحصل به الخير والسرور والسعادة في الدنيا والآخرة وهي الرحمة. فتزكو به نفوسهم وتزداد به عقولهم ويزيد به إيمانهم ويقينهم، وتقوم به الحجة على من أصر وعاند. [2]
وهكذا يتمحض الأمر. فإما شريعة اللّه. وإما أهواء الذين لا يعلمون. وليس هنالك من فرض ثالث، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة وما يترك أحد شريعة اللّه إلا ليحكم الأهواء فكل ما عداها هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون! واللّه - سبحانه - يحذر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون، فهم لا يغنون عنه من اللّه شيئا. وهم يتولون بعضهم بعضا. وهم لا يملكون أن يضروه شيئا حين يتولى بعضهم بعضا، لأن اللّه هو مولاه: «إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ. وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ» .. وإن هذه الآية مع التي قبلها لتعين سبيل صاحب الدعوة وتحدده، وتغني في هذا عن كل قول وعن كل تعليق أو تفصيل: «ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ
(1) - التفسير القرآني للقرآن (13/ 238)
(2) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 777)