فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 849

المُؤْمِنُون والمُؤْمِناتُ بيْنهُمْ أُخُوّةٌ، ومودّةٌ، وتعاوُنٌ، وتراحُمٌ، ويتّصِفُون بِالصِّفاتِ الحمِيدةِ التِي يأْمُرُهُمْ بِها دِينُهُمْ: فيتناصرُون ويتعاضدُون ويفْعلُون الخيْر، ويأْمُرُون بِهِ، وينْتهُون عنِ المُنْكرِ وينْهوْن عنْهُ، ويُقِيمُون الصّلاة ويُؤدُّونها حقّ أدائِها، ويُؤدُّون زكاة أمْوالِهِمْ إِلى مُسْتحِقِّيها، ويُطِيعُون الله ورسُولهُ فِيما أمر، ويتْرُكُون ما نهى عنْهُ وزجر. والمُتّصِفُون بِهذِهِ الصِّفاتِ الطّيِّبةِ الْكرِيمةِ سيرْحمُهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا والآخِرةِ، واللهُ عزِيزُ الجانِبِ، يُعِزُّ منْ يشاءُ، وهُو حكِيمٌ فِي قِسْمتِهِ الصِّفاتِ بيْن خلْقِهِ، فجعل المُؤْمِنِين يخْتصُّون بِالصِّفاتِ الحمِيدةِ، والمُنافِقِين يخْتصُّون بِالصِّفِاتِ الذمِيمةِ المُنْكرةِ.

وعد اللهُ المُؤْمِنِين والمُؤْمِناتِ أنّهُ سيُدْخِلُهُمْ فِي الآخِرةْ جنّاتٍ تجْرِي مِنْ تحْتِها الأنْهارُ، يُقِيمُون فِيها خالِدِين أبدًا، فِي مساكِن طيِّبةْ حسنةِ البِناءِ، وطيِّبةِ القرارِ فِي هذِهِ الجنّاتِ، ووعدهُمْ بِرِضْوانٍ مِنْهُ أكْبر وأجلّ مِمّا هُمْ فِيهِ مِن النّعِيمِ، وذلِك هُو الفوْزُ العظِيمُ. [1]

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" [2] .

مما يضاعف حسرة المنافقين، ويزيد في بلائهم، أن يطلع عليهم المؤمنون في هذا الموكب العظيم، الذي يحفّه الجلال والإكرام، ويتغشّاه النعيم والرضوان، بعد أن انكشف للمنافقين سوء أمرهم، وعاقبة سعيهم، وما أخذهم الله به من نكال وبلاء ..

وفى هذا الموكب الذي ينتظم المؤمنين، يرى الرائي لهم أن بعضهم أولياء بعض، تجمعهم الأخوّة، وتؤلف بينهم المودّة، يلتقون على الإيمان بالله، والولاء له، والاستجابة لرسوله، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر ..

«وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .. » .. فتلك هى سبيل المؤمنين، وذلك هو حبل الله الذي يعتصمون به، ويشدّون أيديهم عليه .. «أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ» لأنهم لجثوا إليه والتمسوا مرضاته، وأخلصوا القول والعمل له .. «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ» لا يضام من لجأ إليه، واعتصم به ..

«حكيم» في قضائه بين عباده، وحكمه فيهم، فيجزى المحسنين بإحسانهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويأخذ المسيئين بما عملوا إن شاء، أو يتوب عليهم ..

كل ذلك عن قدرة متمكنة، وعزة غالبة، وحكمة بالغة .. سبحانه، عزّ فحكم، لا معقب لحكمه، ولا منازع لسلطانه ..

هذا، وليس دخول حرف الاستقبال في قوله تعالى: «سيرحمهم» ..

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1307، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - صحيح البخاري (9/ 151) (7518) وصحيح مسلم (4/ 2176) 9 - (2829)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت