فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 849

بِذَلِكَ، وَإِنِ ادَّعَى وَزَعَمَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يُحِبُّ لِلَّهِ وَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ، حَتَّى يُتَابِعَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ خَاتَمَ الرُّسُلِ، وَرَسُولَ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الَّذِي لَوْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ -بَلِ الْمُرْسَلُونَ، بَلْ أُولُو الْعَزْمِ مِنْهُمْ-فِي زَمَانِهِ لَمَا وَسِعَهُمْ إِلَّا اتِّبَاعُهُ، وَالدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعُ شَرِيعَتِهِ ..". [1] "

إن حب اللّه ليس دعوى باللسان، ولا هياما بالوجدان، إلا أن يصاحبه الاتباع لرسول اللّه، والسير على هداه، وتحقيق منهجه في الحياة .. وإن الإيمان ليس كلمات تقال، ولا مشاعر تجيش، ولا شعائر تقام. ولكنه طاعة للّه والرسول، وعمل بمنهج اللّه الذي يحمله الرسول ..

ويقول الإمام شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن قيم الجوزية في كتابه: «زاد المعاد في هدى خير العباد» : «ومَن تأمَّل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة، وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام، علم أنَّ الإسلامَ أمرٌ وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفةُ والإقرارُ، والانقيادُ، والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا ... » [2]

إن هذا الدين له حقيقة مميزة لا يوجد إلا بوجودها .. حقيقة الطاعة لشريعة اللّه، والاتباع لرسول اللّه، والتحاكم إلى كتاب اللّه .. وهي الحقيقة المنبثقة من عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام. توحيد الألوهية التي لها وحدها الحق في أن تعبد الناس لها، وتطوّعهم لأمرها، وتنفذ فيهم شرعها، وتضع لهم القيم والموازين التي يتحاكمون إليها ويرتضون حكمها. ومن ثم توحيد القوامة التي تجعل الحاكمية للّه وحده في حياة البشر وارتباطاتها جميعا، كما أن الحاكمية للّه وحده في تدبير أمر الكون كله. وما الإنسان إلا قطاع من هذا الكون الكبير.

وهذا الدرس الأول من السورة يقرر هذه الحقيقة - كما رأينا - في صورة ناصعة كاملة شاملة، لا مهرب من مواجهتها والتسليم بها لمن شاء أن يكون مسلما. إن الدين عند اللّه الإسلام .. وهذا - وحده - هو الإسلام كما شرعه اللّه، لا كما تصوره المفتريات والأوهام [3] ..

وقال تعالى: {ومِن النّاسِ من يتّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أندادًا يُحِبُّونهُمْ كحُبِّ اللّهِ والّذِين آمنُواْ أشدُّ حُبًّا لِّلّهِ ولوْ يرى الّذِين ظلمُواْ إِذْ يروْن الْعذاب أنّ الْقُوّة لِلّهِ جمِيعًا وأنّ اللّه شدِيدُ الْعذابِ} (165) سورة البقرة

ومع قِيامِ الأدِلّةِ على قُدْرةِ اللهِ ووحْدانِيّتِهِ وعظمتِهِ فإِنّ بعْض النّاسِ مِن الكُفّارِ يتّخِذُون للهِ شُركاء وأمْثالًا (أنْدادًا) يعْبُدُونهُمْ معهُ، ويُحِبُّونهُمْ كحُبِّهِ، وهُو اللهُ الذِي لا مثِيل لهُ، ولا شرِيك معهُ. أمّا الذِين

(1) - تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 32)

(2) - زاد المعاد في هدي خير العباد-مؤسسة الرسالة، بيروت [3/ 638]

(3) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 653)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت