قُلْ يا محمدُ لهؤلاءِ الذين أُرْسِلْت إليهم: إنّ الفائزين بِنِعمِ الله الجليلةِ، التي يتنافسُ فيها المُتنافِسُون إِنما نالُوها بما ذُكِر من الصِّفاتِ الحميدةِ التي اتّصفُوا بها، ولوْلاها لم يهْتمّ بهم ربُّهم، ولم يعْتدّ. ولذلك فإنّهُ لا يعْبأُ بِكُمْ إذا لم تعْبُدُوه، فما خلق اللهُ الخلْق إِلا لِيعْبُدُوا ربّهُمْ ويُطِيعُوه وحْده لا شريك له، وما دُمْتُمْ قد خالفْتُم أمر ربِّكم، وعصيْتُمْ حُكْمهُ، وكذّبْتُم رسُولهُ، فسوْف يلْزمُكُمْ أثر تكْذِيبِكُمْ، وهو العقابُ الذي لا مناص منهُ، فاسْتعِدُّوا له، وهيِّئُوا أنفسكُمْ لذلك اليومِ العصيبِ، وهو آتٍ قريبٌ. [1]
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُرْسِلْتَ إِلَيْهِمْ: أَيَّ شَيْءٍ يَعِدُكُمْ , وَأَيَّ شَيْءٍ يَصْنَعُ بِكُمْ رَبِّي؟ يُقَالُ مِنْهُ: عَبَأْتُ بِهِ أَعْبَأُ عَبْئًا , وَعَبَأْتُ الطِّيبَ أَعْبَؤُهُ: إِذَا هَيَّأْتُهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّ بِنَحْرِهِ وَبِمَنْكِبَيْهِ ... عَبِيرًا بَاتَ يَعْبَؤُهُ عَرُوسُ
يَقُولُ: يُهَيِّئُهُ وَيَعْمَلُهُ يَعْبَؤُهُ عَبًا وَعُبُوءًا , وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: عَبَأْتُ الْجَيْشَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ فَأَنَا أَعْبَؤُهُ: أُهَيِّئُهُ. وَالْعِبْءُ: الثِّقَلُ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
يَقُولُ: لَوْلَا عِبَادَةُ مَنْ يَعْبُدُهُ مِنْكُمْ , وَطَاعَةُ مَنْ يُطِيعُهُ مِنْكُمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ:" {مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان:77] يَقُولُ: لَوْلَا إِيمَانَكُمْ , وَأَخْبَرَ اللَّهُ الْكُفَّارَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِمْ إِذْ لَمْ يَخْلَقْهُمْ مُؤْمِنِينَ , وَلَوْ كَانَ لَهُ بِهِمْ حَاجَةٌ لَحَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ كَمَا حَبَّبَهُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ"
عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: {لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان:77] قَالَ: «لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ إِيَّاهُ لِتَعْبُدُوهُ وَتُطِيعُوهُ»
وَقَوْلُهُ {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} [الفرقان:77] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَخَالَفْتُمْ أَمَرَ رَبِّكُمُ الَّذِي أَمَرَ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ. لَوْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ , كَانَ يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي؛ فَسَوْفَ يَكُونُ تَكْذِيبُكُمْ رَسُولَ رَبِّكُمْ , وَخِلَافُكُمْ أَمْرَ بَارِئِكُمْ عَذَابًا لَكُمْ مُلَازِمًا , قَتْلًا بِالسُّيُوفِ وَهَلَاكًا لَكُمْ مُفْنِيًا يُلْحِقُ بَعْضَكُمْ بَعْضًا" [2] "
وما هذه البشرية كلها، لولا القلة المؤمنة التي تدعو اللّه. وتتضرع إليه.
كما يدعو عباد الرحمن ويتضرعون؟
من هم والأرض التي تضم البشر جميعا إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل. والبشرية كلها إن هي إلا نوع من أنواع الأحياء الكثيرة على وجه هذه الأرض. والأمة واحدة من أمم هذه الأرض. والجيل الواحد من أمة إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا اللّه؟
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2814، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (17/ 535)