فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 849

حِينما التقتِ الفِئتانِ، المُسْلِمُون والمُشْرِكُون فِي ساحةِ المعْركةِ، وجد المُسْلِمُون المُشْرِكِين كثِيرِي العددِ، فاسْتغاث الرّسُولُ بِربِّهِ، وقال: اللّهُمّ أنْجِزْنِي وعْدك الذِي وعدْتنِي. فأنْزل اللهُ تعالى هذِهِ الآية الكرِيمة. وفِيها يُعْلِمُ اللهُ تعالى رسُولهُ أنّهُ اسْتجاب لِدُعائِهِ ودُعاءِ المُسْلِمِين، وأنّهُ سيمُدُّهُمْ بِألْفٍ مِن الملائِكةِ يأْتُونهُمْ مددًا يُرْدِفُ بعْضُهُمْ بعْضًا، أيْ يأتي بعْضُهُمْ إِثْر بعْضٍ. [1]

يتعلق الظرف «إذ» بقوله تعالى: «وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ» أي إنّ إرادة الله بإحقاق الحق بكلماته، وقطع دابر الكافرين- قد رأيتم تحقيقها في هذا الوقت الذي كنتم تستغيثون فيه ربكم، وقد التقيتم بالمشركين في كثرتهم، وقلتكم ..

وقوله تعالى: «فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ» أي حين واجهتم العدو، وأفزعتكم كثرته، وفزعتم إلى الله أن يمدكم بنصره- استجاب لكم ربكم، وأمدكم بألف من الملائكة مردفين، أي يردف بعضهم بعضا، ويجىء بعضهم إثر بعض.

وقوله سبحانه: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» الضمير في «جعله» يعود إلى هذا المدد السماوي .. أي ما جعل الله هذا المدد السماوي الذي أمدكم به إلا بشرى للنصر الذي وعدكم به، ولتطمئن به قلوبكم، فلا يهولنّكم العدو وكثرة عدده، بعد أن علمتم أن الله معكم، وأن إشارات النصر وبشرياته قد جاءت إليكم، تحملها ملائكة الرحمن التي بعثها الله لتقاتل معكم .. فهل يغلب من كان الله معه؟ وهل يهزم من كانت جنود الرحمن تقاتل في صفوفه، ولو كان فردا يقاتل الناس جميعا؟

وهذه الجند المرسلة من السماء، ليست إلا ألطافا من ألطاف الله بكم في هذا الموقف الحرج، ترون منها بشائر النصر، وتجدون فيها ريح السكينة والطمأنينة- أما النصر فهو بيد الله وحده، فهو الذي كتب لكم النصر، وليست الملائكة التي قاتلت معكم .. «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» له سبحانه، العزة، يعزّ بها من يشاء، ويذل من يشاء، وينصر بها من يشاء، ويخذل من يشاء، حسب ما اقتضت حكمته .. [2]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ حِينَ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، فَـ «إِذْ» مِنْ صِلَةِ «يُبْطِلَ» وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [الأنفال:9] تَسْتَجِيرُونَ بِهِ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَتَدْعُونَهُ لِلنَّصْرِ عَلَيْهِمْ. {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال:9] يَقُولُ: فَأَجَابَ دُعَاءَكُمْ بِأَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ [ص:51] مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَرْدَفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتْلُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَجَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -

عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: ثني سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: ثني عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَعِدَّتِهِمْ، وَنَظَرَ إِلَى أَصْحَابِهِ نَيِّفًا"

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1170، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 571)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت