فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 849

ينْدُبُ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين إلى القِيامِ بِالأعْمِالِ الصّالِحةِ، وإلى المُسارعةِ فِي فِعْلِ الخيْراتِ، لِينالُوا مغْفِرة اللهِ ورِضْوانهُ، وجنّتهُ الواسِعة العرِيضة التِي أعدّها اللهُ لِعِبادِهِ المُتّقِين، الذِين يمْتثِلُون أمْرهُ.

يذْكُرُ اللهُ تعالى فِي هذِهِ الآيةِ صِفاتِ أهْلِ الجنّةِ فيقُولُ: إِنّهُمُ الذِين يُنْفِقُون أمْوالهُمْ فِي سبِيلِ مرْضاةِ اللهِ، فِي الرّخاءِ (السّراءِ) ،وفِي الشِّدّةِ (الضرّاءِ) ،وفِي الصِّحّةِ والمرضِ، وفِي جمِيعِ الأحْوالِ، لا يشْغلُهُمْ أمْرٌ عنْ طاعةِ اللهِ، والإِنْفاقِ فِي سبيلِ مرْضاتِهِ، وإِنّهُمْ يكْتُمُون غيْظهُمْ إذا ثار، ويعْفُون عمّنْ أساء إِليهِمْ. واللهُ يُحِبُّ الذِين يتفضّلُون على عِبادِهِ البائِسِين، ويُواسُونهُمْ شُكْرًا للهِ على جزِيلِ نِعمِهِ عليْهِمْ. ومِنْ صِفاتِ أهْلِ الجنّةِ أنّهُمْ إذا صدر عنْهُمْ فِعْل قبيحٌ يتعدّى أثرُهُ إلى غيْرِهِمْ (كغيبةِ إِنْسانٍ) ،أو صدر عنْهُمْ ذنْبٌ يكُونُ مُقْتصِرًا عليْهِمْ (كشُرْبِ خمْرٍ ونحْوهُ) ،ذكرُوا الله تعالى ووعِيدهُ، وعظمتهُ وجلالهُ، فرجعُوا إلى اللهِ تائِبِين، طالِبِين مغْفِرتهُ، ولمْ يُقِيمُوا على القبِيحِ مِنْ غيْرِ اسْتِغْفارٍ، لِعِلْمِهِمْ أنّ الله هُو الذِي يغْفِرُ الذُّنُوب جمِيعًا، ولمْ يُصِرُّوا على الذّنْبِ، لأنّهُمْ يعْلمُون أنّ منْ تاب إلى اللهِ، تاب اللهُ عليهِ، وغفر لهُ.

والمُتّقُون المُتمتِّعُون بِهذِهِ الصِّفاتِ سيجْزِيهِمْ ربُّهُمْ عليها بِالمغْفِرةِ، وبِالأمْرِ مِن العِقابِ، ولهُمْ ثوابٌ عظِيمٌ فِي جنّاتٍ تجْرِي مِنْ تحْتِها الأنْهارُ، وهُمْ مُخلّدُون فِيها أبدًا، والجنّةُ خيْرُ ما يُكافأُ بِهِ المُؤْمِنُون العامِلُون على أعْمالِهِمْ الصّالِحاتِ" [1] "

فهم ثابتون على البذل، ماضون على النهج، لا تغيرهم السراء ولا تغيرهم الضراء. السراء لا تبطرهم فتلهيهم. والضراء لا تضجرهم فتنسيهم. إنما هو الشعور بالواجب في كل حال والتحرر من الشح والحرص ومراقبة اللّه وتقواه .. وما يدفع النفس الشحيحة بطبعها، المحبة للمال بفطرتها .. ما يدفع النفس إلى الإنفاق في كل حال، إلا دافع أقوى من شهوة المال، وربقة الحرص، وثقلة الشح .. دافع التقوى. ذلك الشعور اللطيف العميق، الذي تشف به الروح وتخلص، وتنطلق من القيود والأغلال ..

ولعل للتنويه بهذه الصفة مناسبة خاصة كذلك في جو هذه المعركة. فنحن نرى الحديث عن الإنفاق يتكرر فيها، كما نرى التنديد بالممتنعين والمانعين للبذل - كما سيأتي في السياق القرآني - مكررا كذلك. مما يشير إلى ملابسات خاصة في جو الغزوة، وموقف بعض الفئات من الدعوة إلى الإنفاق في سبيل اللّه.

«وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ» .. كذلك تعمل التقوى في هذا الحقل، بنفس البواعث ونفس المؤثرات. فالغيظ انفعال بشري، تصاحبه أو تلاحقه فورة في الدم فهو إحدى دفعات التكوين البشري، وإحدى ضروراته. وما يغلبه الإنسان إلا بتلك الشفافية اللطيفة المنبعثة من إشراق التقوى وإلا بتلك القوة الروحية المنبثقة من التطلع إلى أفق أعلى وأوسع من آفاق الذات والضرورات.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 426، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت