شِدَّةٍ، يَجْعَلِ اللَّهُ بَعْدَهُ فَرَجًا. وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200] " [1] "
وهكذا روى الْحافِظ اِبْن عساكِر فِي ترْجمة عبْد اللّه بْن الْمُبارك مِنْ طرِيق مُحمّد بْن إِبْراهِيم اِبْن أبِي سُكيْنة قال: أمْلى عليّ عبْد اللّه بْن الْمُبارك هذِهِ الْأبْيات بِطرسُوس وودّعْته لِلْخُرُوجِ وأنْشدها معِي إِلى الْفُضيْل بْن عِياض فِي سنة سبْعِين ومِائة وفِي رِواية سنة سبْع وسبْعِين ومِائة.
يا عابِد الْحرميْنِ لوْ أبْصرْتنا ... لعلِمْت أنّك فِي الْعِبادة تلْعب
منْ كان يخْضِبُ خدّه بِدُمُوعِهِ ... فنُحُورنا بِدِمائِنا تتخضّب
أوْ كان يُتْعِب خيْلهُ فِي باطِل ... فخُيُولنا يوْم الصّبِيحة تتْعب
رِيح الْعبِير لكُمْ ونحْنُ عبِيرنا ... رهْج السّنابِك والْغُبار الْأطْيب
ولقدْ أتانا مِنْ مقال نبِيّنا ... قوْل صحِيح صادِق لا يُكْذب
لا يسْتوِي غُبار خيْل اللّه فِي ... أنْف اِمْرِئٍ ودُخان نار تلْهبُ
هذا كِتاب اللّه ينْطِق بيْننا ... ليْس الشّهِيد بِميِّتٍ لا يُكْذب
فَلَقِيْتُ الفُضَيْلَ بِكِتَابِهِ فِي الحَرَمِ، فَقَرَأَهُ، وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَنَصَحَ. [2]
وفي مسند أبي عوانة عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ مُرَابِطًا جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» [3] .
والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة. إنه طريق طويل شاق، حافل بالعقبات والأشواك، مفروش بالدماء والأشلاء، وبالإيذاء والابتلاء .. الصبر على أشياء كثيرة: الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب! والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الشهوة، وتصعير الغرور والخيلاء!
والصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق!
والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة. من الألم والغيظ، والحنق، والضيق، وضعف الثقة أحيانا في الخير، وقلة الرجاء أحيانا في الفطرة البشرية والملل والسأم واليأس أحيانا والقنوط!
(1) - موطأ مالك ت عبد الباقي (2/ 446) (6) صحيح مرسل
(2) - سير أعلام النبلاء ط الحديث (7/ 386)
(3) - مستخرج أبي عوانة (4/ 497) (7468)