وهكذا تنتهي هذه الفقرة في الاستعراض وقد تضمنت تلك الحقائق الكبيرة في التصور الإسلامي. وقد أدت هذا الدور في تربية الجماعة المسلمة. وقد ادخرت هذا الرصيد للأمة المسلمة في كل جيل [1] ..
وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]
يحُثُّ اللهُ تعالى المُؤْمِنين على الاقْتِداءِ بِرسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والتّأسِّي بِهِ فِي صبْرِهِ ومصابرتِهِ ومُرابِطتِهِ ومُجاهدتِهِ فقال لِلّذِين أظْهرُوا الضّجر وتزلْولُوا واضْطربُوا فِي أمْرِهِمْ يوْم الأحْزابِ: هلاّ اقْتديْتُمْ بِرسُولِ اللهِ، وتأسّيْتُمْ بِشمائِلِهِ فلكُمْ في رسُولِ اللهِ أُسْوةٌ حسنةٌ إِنْ كُنْتُمْ تبْتغُون ثواب اللهِ، وتخافُون عِقابهُ، وتذْكُرون الله ذِكْرًا كثيرًا، فذِكْرُ اللهِ يُؤدِّي إِلى أُسْوةٌ حسنٌ - قُدْوةٌ صالِحةٌ فِي كُلِّ أمْرٍ [2] ..
وقد كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد، مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان. وإن دراسة موقفه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحادث الضخم لما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر وتطلب نفسه القدوة الطيبة ويذكر اللّه ولا ينساه.
ويحسن أن نلم بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال. إذ كنا لا نملك هنا أن نتناوله بالتفصيل.
خرج رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يعمل في الخندق مع المسلمين. يضرب بالفأس، ويجرف التراب بالمسحاة، ويحمل التراب في المكتل. ويرفع صوته مع المرتجزين، وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل، فيشاركهم الترجيع! وقد كانوا يتغنون بأغان ساذجة من وحي الحوادث الجارية: كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل، فكره رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - اسمه، وسماه عمرا. فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج:
سماه من بعد جعيل عمرا وكان للبائس يوما ظهرا
فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة «عمرو» ،قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم: «عمرا» .وإذا مروا بكلمة «ظهر» قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم: «ظهرا» .
ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسلمون، والرسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم، يضرب بالفأس، ويجرف بالمسحاة، ويحمل في المكتل، ويرجع معهم هذا الغناء. ولنا أن نتصور أية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم وأي ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز.
عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: كَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثَ وَأَنَا ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، وَكَانَتْ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِخَمْسِ سِنِينَ:-قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكَانَ زَيْدُ بْنُ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 791)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 3435، بترقيم الشاملة آليا)