يُخْبِرُ اللهُ تعالى المُؤْمِنين بِأنّهُ سيبْلُوهُمْ ويخْتبِرُهُمْ بِقليلٍ (بِشيءٍ) مِنْ الخوْفِ والجُوعِ، وبِذهابِ بعْضِ المالِ، وبِموتِ بعْضِ الأصْحابِ والأقارِبِ والأحْبابِ، وبِنقْصِ غِلالِ المزارِعِ ... فمنْ صبر على قضاءِ اللهِ وحُكْمِهِ أثابهُ، ومنْ قنط ولجّ أحلّ بِهِ عِقابهُ. ويُبشِّرُ اللهُ الصّابِرِين بِحُسْنِ العاقِبةِ فِي أُمُورِهِمْ.
أّمّا الصّابِرُون الذِين خصّهُمُ اللهُ بِالبُشْرى فهُمُ الذِين يُؤْمِنُون بِأنّ الخيْر والشّرّ مِن اللهِ، وإِذا نزلتْ بِهِمْ مُصِيبةٌ صبرُوا، وتمسّكُوا بِقولِهِمْ: إِنّا للهِ وإِنّا إِليهِ راجِعُون، أيْ إِنّهُم عبيدُ اللهِ ومُلْكُهُ، وإِنّهُمْ راجِعُون إِليهِ فِي الدّارِ الآخِرةِ.
يُثنِي اللهُ جلّ شأْنُهُ على هؤُلاءِ الصّابِرِين، ويُخْبِرُ بأنّهُمْ فِي رحْمتِهِ، وأنّهُمْ يجِدُون أثرها فِي برْدِ قُلُوبِهِمْ عِنْد نُزُولِ المُصِيبةِ، وأنّهُمْ هُمُ المُهْتدُون إِلى طريقِ الخيْرِ، وإِلى الحقِّ والصّوابِ، وأنّهُمُ اسْتسْلمُوا لِقضاءِ اللهِ فلمْ يسْتحْوِذِ الجزعُ عليهِمْ [1] .
الناس جميعا مبتلون في هذه الحياة- سواء أكانوا أفرادا أو جماعات أو أمما- بشىء من الخوف والجوع- يختلف قلة وكثرة- وبنقص في الأموال والأنفس والثمرات .. فليس أحد في هذه الدنيا بمأمن أبدا من أن تنزل به هذه النوازل، متفرقة أو مجتمعة ..
والجزع في هذه المواطن هو الذي يثقّل المصيبة، ويولّد منها مصائب، فيضاعف معها البلاء، ويعظم الألم، ويطبق اليأس، ويغلق كل باب للأمل والرجاء!.
أما الذي يلقى أحداث الحياة ومصائبها بالصبر، ويواجهها بالتسليم والرضا، عن يقين وإيمان بأن ما وقع إنما هو بقضاء الله وقدره- فإن ذلك يهوّن عليه من وقع المصائب وإن عظمت، ويمدّه بمعين عظيم من الصبر والاحتمال، ويفتح له بابا واسعا من الأمل والرجاء فيما هو خير عند الله وأبقى:
«وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» فحين يذكر المؤمن أنه- ذاتا ومالا وأهلا وولدا- ملك لله، لا يملك مثقال ذرة مما في ملك الله، وأن مصائر الأمور كلها إلى الله، ومردّها جميعا إليه- حين يذكر المؤمن هذا لا يأسى على فائت، ولا يحزن على مفقود، وتلك هى أولى بشريات المؤمنين في هذه الدنيا، لا ينزل الحزن ساحتهم، ولا يرهق الهمّ والكرب قلوبهم: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» [2] .
أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 162، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (1/ 176)