لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102] [1] .
وفي مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» [2]
وفي البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» [3] .
وما أرى هذه الجيوش الصليبية التي قد كشرت عن أنيابها وجاءت لتعلن حقدها الدفين إلا من جراء ما هو حاصل من الظلم والبطش بالمؤمنين والتلبس بكثير من المعاصي التي هي سبب في انتقام الله وسطوته على من تعدى حدوده وارتكب محارمه قال تعالى: (إِنّ اللّه لا يُغيِّرُ ما بِقوْمٍ حتّى يُغيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإِذا أراد اللّهُ بِقوْمٍ سُوءًا فلا مردّ لهُ وما لهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ) (الرعد:11) .
وقال عز وجل (وما أصابكُمْ مِنْ مُصِيبةٍ فبِما كسبتْ أيْدِيكُمْ ويعْفُو عنْ كثِيرٍ) (الشورى:30) .
فاحذروا أن تجروا الأمة إلى الدمار وإشعال الفتن التي ربما عز إطفاؤها وفقدت القدرة على إخمادها
فالجهاد ليس جريمة يحاسب عليها المرء ويدان بها بل الجريمة أن يترك الجهاد ويتعقب المجاهدون لا لشيء إلا لما قاموا به من هذا الأمر العظيم الذي تحدث عنه القرآن في أكثر من خمس مائه آية وجاءت الأحاديث التي لا تحصى تبين حكمه وفضله وما للمجاهدين عند الله من المنزلة العظيمة بل توعد الله من ترك الجهاد بالذل والهوان وتسليط العدو والعذاب في الآخرة كما قال تعالى عن المنافقين (فرِح الْمُخلّفُون بِمقْعدِهِمْ خِلاف رسُولِ اللّهِ وكرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سبِيلِ اللّهِ وقالُوا لا تنْفِرُوا فِي الْحرِّ قُلْ نارُ جهنّم أشدُّ حرًّا لوْ كانُوا يفْقهُون) (التوبة:81) .
(1) - صحيح البخاري (6/ 74) (4686)
[ش (ليملي) ليمهل. (لم يفلته) لم يخلصه ولم يتركه حتى يستوفي عقابه. (وكذلك) أي كما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعذاب. (أخذ ربك) إهلاكه وعذابه. (أخذ القرى) أخذ أهلها / هود 102 /]
(2) - صحيح مسلم (4/ 1996) 56 - (2578)
[ش (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) قال القاضي قيل هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلا حين يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم ويحتمل أن الظلمات هنا الشدائد وبه فسروا قوله تعالى قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر أي شدائدهما ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات (واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم) قال القاضي يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم سفكوا دماءهم ويحتمل أنه هلاك الآخرة وهذا الثاني أظهر ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة قال جماعة الشح أشد البخل وأبلغ في المنع من البخل وقيل هو البخل مع الحرص وقيل البخل في أفراد الأمور والشح عام وقيل الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده]
(3) - صحيح البخاري (3/ 129) (2448)