فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 849

والواقع المادي على رفرفته وشفافيته وانطلاقته أحيانًا؟ ولماذا يغلب أهل الباطل على أصحابه - وهم أهل الحق - أحيانًا!!

وكلها - كما ترى - أسئلة وشبهات، تنبع ابتداء من عدم إدراك الحقيقة الأولية لطبيعة هذا الدين وطريقته ... أو من نسيانها!.

إن الله قادر - طبعًا - على تبديل فطرة الإنسان، عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه. ولكنه - سبحانه - شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة لحكمة يعلمها. وشاء أن يجعل الهدى ثمرة للجهد والرغبة في الهدى:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"... وشاء أن تعمل فطرة الإنسان دائمًا، ولا تمحى ولا تعطل:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها".. وشاء أن يتم تحقيق منهجه الإلهي للحياة البشرية عن طريق الجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"..."ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"وشاء أن يبلغ الإنسان من هذا كله بقدر ما يبذل من الجهد، وما يُنفق من الطاقة، وما يصبر على الابتلاء في تحقيق هذا المنهج الإلهي القويم، وفي دفع الفساد عن نفسه وعن الحياة من حوله:"احسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعملن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين".

وليس لأحد من خلق الله أن يسأله - سبحانه -لماذا شاء هذا كله على هذا النحو الذي أراده فكان. ليس لأحد من خلقه أن يسأله - سبحانه - ما دام أن أحدًا من خلقه ليس إلهًا، وليس لديه العلم، ولا إمكان العلم - بالنظام الكلي لهذا الكون؛ ومقتضيات هذا النظام في طبيعة كل كائن في هذا الوجود.

ولماذا؟ - في هذا المقام - سؤال لا يسأله مؤمن جاد، ولا يسأله ملحد جاد ... المؤمن لا يسأله، لأنه أكثر أدبًا مع الله - الذي يعرفه بذاته وصفاته وخصائصه - وأكثر معرفة بطبيعة إدراكه البشري وحدوده، وأنه لم يهيأ للعمل في هذا المجال ... والملحد الجاد لا يسأله، لأنه لا يعترف بالله ابتداء، فان هو اعتراف بألوهيته عرف معها أن هذا شأنه - سبحانه - ومقتضى ألوهيته، وأنه:"لا يسأل عما يفعل وهم يسألون".لأنه وحده المهيمن العليم بما يفعل.

ولكنه سؤال قد يسأله هازل مائع. لا هو مؤمن جاد، ولا هو ملحد جاد. ومن ثم لا يجوز الاحتفال به، ولا أخذه مأخذ الجد ... وقد يسأله جاهل بحقيقة الألوهية وخصائصها. فالسبيل لتعليم هذا الجاهل ليس هو الإجابة المباشرة. إنما هو تعريفه بحقيقة الألوهية وخصائصها ... حتى يعرفها ويسلم بها فهو مؤمن. أو يجحدها وينكرها فهو ملحد ... وبهذا ينتهي الجدل ... إلا أن يكون مراء!

والمسلم منهى عن المضي في الجدل حتى يكون مراء!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت