أَعْلَمُ. وَقِيلَ: مَعْنَى لَا يُبْطِلُهُ إِلَخْ: لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْجِهَادِ بِأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ ظَالِمًا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْمُوَافَقَةُ فِيهِ، وَلَا بِأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَادِلًا فَلَا يَخَافُونَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْغَنَائِمِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْجِهَادِ هُوَ إِعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ، فَاحْتِيجَ لِهَذَا نَفْيًا لِهَذَا التَّوَهُّمِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ شَأْنِ عَدْلِ الْعَادِلِ أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ إِبْطَالُ الْجِهَادِ بَلْ تَقْوِيَتُهُ، وَلَمَّا نَظَرَ شَارِحٌ لِهَذَا قَالَ: تَتْمِيمٌ، وَإِلَّا فَعَدْلُ الْعَادِلِ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ إِبْطَالٌ. وَقِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ (وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ) أَيِ الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ، أَوِ الْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ، يَعْنِي بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَجْرِي فِي الْعَالِمِ هُوَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ لِإِثْبَاتِهِمْ لِلْعِبَادِ الْقُدْرَةَ الْمُسْتَقِلَّةَ بِإِيجَادِ الْمَعْصِيَةِ. [1]
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» [2]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» [3]
أَيْ: نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ النِّفَاقِ ; أَيْ: مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا فَقَدَ أَشْبَهَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الْجِهَادِ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: هَذَا كَانَ مَخْصُوصًا بِزَمَانِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَامٌّ وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَنْوِيَ الْجِهَادَ إِمَّا بِطْرِيقِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ فَرْضِ الْعَيْنِ، إِذَا كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا، وَيُسْتَدَلُّ بِظَاهِرِهِ لِمَنْ قَالَ: الْجِهَادُ فَرْضُ عَيْنٍ مُطْلَقًا. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: نَرَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ مُحْتَمَلٌ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ إِنَّهُ عَامٌّ. وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَشْبَهَ الْمُنَافِقِينَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الْجِهَادِ فِي هَذَا الْوَصْفِ، فَإِنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ أَحَدُ شُعَبِ النِّفَاقِ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ نَوَى فِعْلَ عِبَادَةٍ فَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهَا لَا يُتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الذَّمِّ مَا يُتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُنْوِهَا، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَأَخَّرَهَا بِنِيَّةِ أَنْ يَفْعَلَهَا وَمَاتَ، أَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ كَذَلِكَ، قِيلَ: يَأْثَمُ فِيهِمَا، وَقِيلَ لَا يَأْثَمُ فِيهِمَا، وَقِيلَ: يَأْثَمُ فِي الْحَجِّ دُونَ الصَّلَاةِ اه. وَالْأَخِيرُ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِنَا [4] .
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ لَمْ يَغْزُ أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [5]
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 130)
(2) - سنن أبي داود (3/ 274) (3462) صحيح
(3) - صحيح مسلم (3/ 1517) 158 - (1910)
[ش والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق]
(4) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2470)
(5) - سنن ابن ماجه (2/ 923) (2762) حسن
[ش - (أو يحلف) أي لم يقم بعده في خدمته أهله بأن يصير خليفة له ونائبا عنه في قضاء حوائجه (بقارعة) أي بداهية مهلكة. يقال قرعة أمر إذا أتاه فجأة. وجمعها قوارع]