فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 849

يقول الله سبحانه: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» .

فما خرج هؤلاء القوم دفاعا من حق، أو انتصارا لمبدأ، وإنما الذي أخرجهم هو البطر، أي الكبر، والكفر بنعمة الله، ثم ما يحدّث به الناس عنهم من أنهم أولو قوة وأولو بأس شديد، حين يرى الناس منهم ما جمعوا من مقاتلين، وما حملوا من سلاح وعتاد، ثم ما يقع لهم من هذا التدبير الذي دبروه، وهو الوقوف في وجه تلك الدعوة التي كانت شجّى في حلوقهم، وقذى في أعينهم! هذا ما أخرج القوم للقتال، وهذا ما خرجوا له .. ومن أجل هذا كان الخلاف بينهم، والتفرق في وحدتهم، والتمزق في مشاعرهم .. كلّ يأخذ الموقف الذي يشبع غروره وكبره، ويشهد الناس منه منزلته في قومه، وكلمته المسموعة في رهطه .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ» فهذا هو الشعور الذي غلب على رؤساء القوم وأصحاب الكلمة فيهم .. أما عامتهم فكانوا تبعا لأهواء سادتهم، لا يقوم في كيان أحدهم شعور بمبدأ يقاتل عليه، وينتصر له ..

أما قوله تعالى: «وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» فذلك هو الجرم الذي اشترك فيه القوم جميعا، رؤساء ومرءوسين .. فكانوا جميعا جيشا مقاتلا للدعوة الإسلامية، وحصرها في أضيق الحدود .. أما البطر، ومراءاة الناس فكان لونا اصطبغ به بعضهم دون بعض، وغاية عمل لها أناس دون آخرين ..

ولهذا اختلف النظم، لأن البطر والرياء شأنهم دائما فعبّر عنهما القرآن بالمصدر، الذي يفيد الثبوت والاستمرار، وأما الصدّ عن سبيل الله، فهو أمر جدّ عليهم بعد ظهور النبىّ فعبّر عنه بالفعل، الذي يفيد الحدوث والتجدد: «وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» .

وقوله تعالى: «وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ» .

الآية معطوفة على قوله تعالى: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ» أي لا تكونوا كهؤلاء القوم الذين خرجوا على تلك الصفة، ولهذا الوجه، ولا تكونوا كهؤلاء على تلك الحال التي خرجوا فيها وقد زين لهم الشيطان أعمالهم .. فهؤلاء إنما خرجوا متّبعين أهواءهم، منقادين للشيطان الذي دعاهم، فاستجابوا له، وأعطوه زمامهم، بعد أن ملأ صدورهم أملا كاذبا، بأنهم قوة لا تغلب، بما هم عليه من عدد وعدة! فكيف إذا كان هو جارا لهم، وسندا وظهيرا في ميدان القتال معهم؟

«فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ» أي التقت الفئتان، ورأى بعضهم بعضا، والفئتان هما: المسلمون، والمشركون .. «نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ» أي رجع الشيطان إلى الوراء، يمشى القهقرى، وهو ينظر إليهم كما ينظر الغريم إلى غريمه وقد أوقعه في حفرة، وتركه لمصيره الذي ينتظره.

«وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ» إنها أحجار يقذف بها الشيطان في وجه القوم بعد أن ألقى بهم في هذه الحفرة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت