فهرس الكتاب

الصفحة 670 من 738

ومثله في الاحتياط وطلب السلامة من هذه البلية قول ابن عبد البر:"ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له، أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنبًا أو تأول تأويلًا، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنىً يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة، وهم أهل الفقه والأثر على أن أحدًا لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفَّر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة".54

ويروي ابن نجيم عن الطحاوي وغيره من علماء الحنفية قولهم بأن المسلم لا يخرج من الإسلام إلا بأمر يتيقن كفر صاحبه:"ما تيقن أنه ردة يحكم بها، وما يشك أنه ردة لا يحكم بها، إذ الإسلام الثابت لا يزول بشك، مع أن الإسلام يعلو، وينبغي للعالم إذا رفع إليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الإسلام".55

ولما كان المكفرون لا يملكون - غالبًا - الدليل المتيقن على كفر المخالف، فإنهم يعتمدون القياس في استدلالهم، وهو دليل لا يراه ابن الوزير كافيًا في تكفير المشبهة والمجبرة، فإن كثيرًا من العلماء لم يكفروهم، ونقل عن الشيخ مختار في كتابه"المجتبى"قوله:"لأن حجة من كفرهم القياس على المشركين المصرحين، وهما [أي أبو الحسين والرازي] قد قدحا في صحة هذا القياس، دع عنك كونه قطعيًا، وذلك القدح هو بوجود الفارق الذي يمنع مثله من صحة القياس، وهو إيمان هؤلاء بجميع كتب الله تعالى وجميع رسله بأعيانهم وأسمائهم إلا من جهلوه، وإنما يخالفون حين يدعون عدم العلم، ثم ظهر عليهم ما يصدق من ذلك من إقامة أركان الإسلام وتحمل المشاق العظيمة بسبب تصديق الأنبياء عليهم السلام، ولأن القياس عند المحققين من علماء المعقولات لا يكون قاطعًا، لأن الأمرين إن استويا في جميع الوجوه لم يكن قياسًا، وإن وجد بينهما فارق جاز أن يكون مؤثرًا في عدم استوائهما في الحكم".56

وعليه فإن ابن الوزير يرى"أن في الحكم بتكفير المختلف في كفرهم مفسدة بينة تخالف الاحتياط... أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، نعوذ بالله من الخطأ في الجميع، ونسأله الإصابة والسلامة والتوفيق والهداية".57

ويدعو الشوكاني إلى تلمس المعاذير للمسلمين والإحجام قبل المسارعة إلى تكفيرهم"فحينئذ تنجو من معرَّة الخطر، وتسلم من الوقوع في المحنة، فإن الإقدام على ما فيه بعض البأس لا يفعله من يشح على دينه، ولا يسمح به فيما لا فائدة فيه ولا عائدة، فكيف إذا كان يخشى على نفسه إذا أخطأ أن يكون في عداد من سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كافرًا، فهذا يقود إليه العقل فضلًا عن الشرع.."

فحتم على كل مسلم أن لا يطلق كلمة الكفر إلا على من شرح بالكفر صدرًا، ويقصر ما ورد مما تقدم على موارده، وهذا الحق ليس به خفاء، فدعني من بُنيات الطريق

يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ومنهج الحق له واضح".58"

ويقول الزركشي:"فلينتبه لهذا، وليحذر ممن يبادر إلى التكفير .. فيخاف عليه أن يكفر، لأنه كفّر مسلمًا".59

ويقول عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:"وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه، واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام، أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين".60

ويقول:"فما تنازع العلماء في كونه كفرًا فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام، ما لم يكن في المسألة نص صريح".61

أما من تجرأ على التكفير من غير أن يملك مثل ذلك الدليل الساطع فإنه مستحق للعقوبة الغليظة بما اجترأ عليه، يقول ابن تيمية في سياق الحديث عن خلاف المسلمين في بعض مسائل التوسل:"بل المكفّر بمثل هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين على الدين، لا سيما مع قوله r: (( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) )".62

وينبه ابن الوزير إلى مفسدة أخرى للتكفير، وهي التسبب في الفرقة بين المسلمين، وما تؤدي إليه من توهين أمر المسلمين، وهذه المفسدة حري دفعها بمزيد من العذر والتثبت والاحتياط، يقول:"وكم بين إخراج عوام فرق الإسلام أجمعين، وجماهير العلماء المنتسبين إلى الإسلام من الملة الإسلامية، وتكثير العدد بهم، وبين إدخالهم في الإسلام ونصرته بهم وتكثير أهله، وتقوية أمره، فلا يحل الجهد في التفرق بتكلف التكفير لهم بالأدلة المعارَضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة، ويقوي الإسلام، ويحقن الدماء، ويسكن الدهماء حتى يتضح كفر المبتدع اتضاح الصبح الصادق، وتجتمع عليه الكلمة، وتحقق إليه الضرورة".63

وقال الغزالي:"والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلًا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأِ في سفك محجمة من دم مسلم".64

ويقول رحمه الله:"الوصية: أن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك، ما داموا قائلين: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ، غير مناقضين لها ... فإن التكفير فيه خطر، والسكوت لا خطر فيه".65

وينقل ابن نجيم عن أهل العلم حرصهم على إعذار المسلم، وتوقفهم عن المبادرة إلى تكفيره مهما وهنت شبهته التي دفعت به إلى ارتكاب المكفِّر، فيقول:"وفي الفتاوى الصغرى: الكفر شيء عظيم، فلا أجعل المؤمن كافرًا متى وجدت رواية أنه لا يكفر".66

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت