ومما سبق ثبت يتضح أن الأصل في المسلم براءة الذمة، وأن الاعتداء عليه بتكفيره من أعظم ما توعد الله فاعله بوعيده، فقد توعده بالإثم العظيم أو الكفر، جزاء إقدامه على الولوغ في عرض أخيه المسلم.
التكفير حكم شرعي
وهذا الورع الذي رأيناه من أصحاب النبي e مرده أنهم فقهوا خطورة هذا الباب، كما أدركوا - بما آتاهم الله من فقه وبصيرة - أن التكفير حكم شرعي، كسائر الأحكام الشرعية، لا يصدر فيه إلا عن الأدلة الشرعية المعتبرة.
وقد فقه سلف الأمة وعلماؤها من بعدهم خطورة هذا الحكم من أحكام الشريعة، وحذروا من الخروج فيه عن أدلة الشرع المعتبرة إلى الهوى والرأي والتشفي.
يقول أبو حامد الغزالي:"الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلًا، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي، فيدرك إما بنص، وإما بقياس على منصوص".40
ويؤكد القاضي عياض أن:"كشف اللبس فيه، مورده الشرع، ولا مجال للعقل فيه".41
ويقول ابن تيمية:"الكفر حكم شرعي متلقى عن صاحب الشريعة، والعقل قد يُعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأً في العقل، يكون كفرًا في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صوابًا في العقل، تجب في الشرع معرفته".42
ويقول ابن الوزير:"إن التكفير سمعي محض لا مدخل للعقل فيه"، ويقول:"إن الدليل على الكفر والفسق لا يكون إلا سمعيًا قطعيًا".43
وهكذا فالقول في هذه المسألة وغيرها من مسائل الدين والحياة مرده إلى علم الشريعة وفقه نصوصها، ولا يجوز في ذلك كله الخوض بلا علم ولا برهان من دين الله.
لكن تزداد خطورة القول بلا علم في مسألة التكفير لما فيها من إباحة الدماء وقطع الموالاة فالتكفير"حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدماء والحكم بالخلود في النار".44
والحكم بالكفر تقرير لأمور خطيرة، منها"إسقاط العبادات عنهم إذا تابوا، وإسقاط جميع حقوق المخلوقين من الأموال والدماء وغيرهما، وإباحة فروج نسائهم إذا لم يتوبوا، وسفك دمائهم....".45
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"إذا تبين ذلك، فاعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان".46
وكما سبق فإنه لا مدخل للعقل في هذه المسألة الشرعية، وكذلك فإن الهوى والتشفي والانتقام بالتكفير مذموم - من باب أولى - لما فيه من اعتداء على حكم الله وحقه وافتئات على عباده، لذا فإن"أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله، فلا يُكفر إلا من كفّره الله ورسوله".47
ويقول:"وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر، قولًا يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك، بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه". 48
وهكذا فإن التكفير حكم شرعي كسائر الأحكام التكليفية الأخرى، فلا يُصار إليه بالتشهي ولا بالظنون، فكما لا يقال عن أمر ما بأنه حرام أو واجب من غير دليل معتبر في الشرع، فإنه لا يقال بكفر مسلم من غير هذا الدليل، بل تكفير المسلمين أخطر وأقبح لما يستتبعه من أحكام دنيوية وأخروية في حق المكفَّر.
أقوال العلماء في التحذير من التكفير
أدرك علماء الإسلام فداحة القول بكفر المسلم فأطبقوا على منع التكفير إلا بدليل ساطع، لا مدافع له، إذ الشهادة بالكفر على الموحد من أعظم الزور والظلم والبهتان.
قال الشوكاني:"اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن (( من قال لأخيه: يا كافر. فقد باء بها أحدهما ) )... ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير".49
وأما ابن حزم فإنه يرى أن البرهان المطلوب للحكم بكفر المسلم ينبغي أن يكافئ ما ثبت به إسلامه، فلا يرفع عنه اسم الإسلام إلا بنص أو إجماع:"والحق هو أن كل من ثبت له عقد الإسلام، فإنه لا يزول عنه إلا بنفي50 أو إجماع، وأما بالدعوى والافتراء فلا."
فوجب أن لا يكفر أحد بقول قاله إلا بأن يخالف ما قد صح عنده أن الله تعالى قاله، أو أن رسول الله r قاله، فيستجيز خلاف الله تعالى وخلاف رسوله عليه الصلاة والسلام، وسواء كان ذلك في عقد دين أو في نحلة أو في فتيا، وسواء كان ما صح من ذلك عن رسول الله r منقولًا نقل إجماع تواترًا أو نقل آحاد".51"
وبمثله قال الباقلاني:"ولا يكفر بقول ولا رأي إلا إذا أجمع المسلمون على أنه لايوجد إلا من كافر، ويقوم دليل على ذلك، فيكفر".52
ويقول ابن تيمية:"فليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزُل ذلك عنه بالشك، بل لا يزال إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة".53