فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 738

ذَلِكَ لَوْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ فِي صُورَةٍ عَدَمَ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ وَصْفًا آخَرَ يَقُومُ مَقَامَ مَا أَلْغَاهُ الْمُسْتَدِلُّ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ دُونَهُ فَسَدَ الْإِلْغَاءُ ; لِابْتِنَائِهِ عَلَى اسْتِقْلَالِ الْبَاقِي فِي تِلْكَ الصُّورَةِ . وَقَدْ بَطَلَ , وَتُسَمَّى هَذِهِ الْحَالَةُ تَعَدُّدَ الْوَضْعِ لِتَعَدُّدِ أَصْلَيْهِمَا , وَالتَّعْلِيلُ فِي أَحَدِهِمَا بِالْبَاقِي عَلَى وَضْعٍ , أَيْ مَعَ قَيْدٍ , وَفِي الْآخَرِ عَلَى وَضْعٍ آخَرَ , أَيْ مَعَ قَيْدٍ آخَرَ . مِثَالُهُ: أَنْ يُقَالَ فِي مَسْأَلَةِ أَمَانِ الْعَبْدِ لِلْحَرْبِيِّ أَمَانٌ مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ , فَيُقْبَلُ كَالْحُرِّ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْعَقْلَ مَظِنَّتَانِ لِإِظْهَارِ مَصْلَحَةِ الْإِيمَانِ أَيْ بَذْلِ الْأَمَانِ وَجَعْلِهِ آمِنًا . فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هُوَ مُعَارَضٌ بِكَوْنِهِ حُرًّا , أَيْ الْعِلَّةُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا عَاقِلًا حُرًّا . فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ مَظِنَّةُ فَرَاغِ قَلْبِهِ لِلنَّظَرِ لِعَدَمِ اشْتِغَالِهِ بِخِدْمَةِ السَّيِّدِ فَيَكُونُ إظْهَارُ مَصَالِحِ الْإِيمَانِ مَعَهُ أَكْمَلَ . فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: الْحُرِّيَّةُ مُلْغَاةٌ لِاسْتِقْلَالِ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ بِهِ فِي صُورَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ مِنْ قِبَلِ سَيِّدِهِ فِي أَنْ يُقَاتِلَ . فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إذْنُ السَّيِّدِ لَهُ خَلَفٌ عَنْ الْحُرِّيَّةِ . فَإِنَّهُ مَظِنَّةٌ لِبَذْلِ الْوُسْعِ فِيمَا تَصَدَّى لَهُ مِنْ مَصَالِحِ الْقِتَالِ , أَوْ لِعِلْمِ السَّيِّدِ صَلَاحَهُ لِإِظْهَارِ مَصَالِحِ الْإِيمَانِ . وَجَوَابُ تَعَدُّدِ الْوَضْعِ: أَنْ يُلْغِيَ الْمُسْتَدِلُّ ذَلِكَ الْخَلَفَ بِإِبْدَاءِ صُورَةٍ لَا يُوجَدُ فِيهَا الْخَلَفُ . فَإِنْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ خَلَفًا آخَرَ فَجَوَابُهُ إلْغَاؤُهُ . وَعَلَى هَذَا , إلَى أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا . فَتَكُونُ الدَّبْرَةُ عَلَيْهِ . فَإِنْ ظَهَرَ صُورَةٌ لَا خَلَفَ فِيهَا تَمَّ الْإِلْغَاءُ , وَبَطَلَ الِاعْتِرَاضُ , وَإِلَّا ظَهَرَ عَجْزُ الْمُسْتَدِلِّ ( وَلَا يُفِيدُ الْإِلْغَاءَ لِضَعْفِ الْمَظِنَّةِ ) الْمُتَضَمِّنَةِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى ( بَعْدَ تَسْلِيمِهَا ) . مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: الرِّدَّةُ عِلَّةُ الْقَتْلِ . فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: بَلْ مَعَ الرُّجُولِيَّةِ ; لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِقْدَامِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ , إذْ يُعْتَادُ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ . فَيُجِيبُ الْمُسْتَدِلُّ: بِأَنَّ الرُّجُولِيَّةَ وَكَوْنَهَا مَظِنَّةَ الْإِقْدَامِ لَا تُعْتَبَرُ , وَإِلَّا لَمْ يُقْتَلْ مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ ; لِأَنَّ احْتِمَالَ الْإِقْدَامِ فِيهِ ضَعِيفٌ , بَلْ أَضْعَفُ مِنْ احْتِمَالِهِ فِي النِّسَاءِ , وَهَذَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ , حَيْثُ سَلَّمَ أَنَّ الرُّجُولِيَّةَ مَظِنَّةٌ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ . وَذَلِكَ كَتَرَفُّهِ الْمَلِكِ فِي السَّفَرِ لَا يَمْنَعُ رُخَصَ السَّفَرِ فِي حَقِّهِ لِعِلَّةِ الْمَشَقَّةِ , إذْ الْمُعْتَبَرُ الْمَظِنَّةُ وَقَدْ وُجِدَتْ لَا مِقْدَارُ الْحِكْمَةِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا ( وَلَا يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ رُجْحَانُ وَصْفِهِ ) قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لَا يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ رُجْحَانُ وَصْفِهِ خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ ; لِقُوَّةِ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ , كَالْقَتْلِ عَلَى الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ ( أَمَّا إنْ اتَّفَقَا عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِأَحَدِهِمَا ) أَيْ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ ( قُدِّمَ الرَّاجِحُ وَلَا يَكْفِي كَوْنُهُ مُتَعَدِّيًا ) لِاحْتِمَالِ تَرْجِيحِ الْقَاصِرِ . قَالَ الْعَضُدُ: هَذَانِ وَجْهَانِ تُوُهِّمَا جَوَابًا لِلْمُعَارَضَةِ وَلَا يَكْفِيَانِ . الْأَوَّلُ: رُجْحَانُ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ: مَا عَيَّنْته مِنْ الْوَصْفِ رَاجِحٌ عَلَى مَا عَارَضْت بِهِ , ثُمَّ يُظْهِرُ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ . وَهَذَا الْقَدْرُ غَيْرُ كَافٍ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِقْلَالَ وَصْفِهِ أَوْلَى مِنْ اسْتِقْلَالِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ ; إذْ لَا يُعَلَّلُ بِالْمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرَّاجِحِ , لَكِنَّ احْتِمَالَ الْجُزْئِيَّةِ بَاقٍ , وَلَا بُعْدَ فِي تَرْجِيحِ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ عَلَى بَعْضٍ فَيَجِيءُ التَّحَكُّمُ . الثَّانِي: كَوْنُ مَا عَيَّنَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُتَعَدِّيًا وَالْآخَرُ قَاصِرًا غَيْرُ كَافٍ فِي جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ , إذْ مَرْجِعُهُ التَّرْجِيحُ بِذَلِكَ , فَيَجِيءُ التَّحَكُّمُ . هَذَا وَالشَّأْنُ فِي التَّرْجِيحِ فَإِنَّهُ إنْ رُجِّحَتْ الْمُتَعَدِّيَةُ بِأَنَّ اعْتِبَارَهُ يُوجِبُ الِاتِّسَاعَ فِي الْأَحْكَامِ , وَبِأَنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَى اعْتِبَارِهَا بِخِلَافِ الْقَاصِرَةِ رُجِّحَتْ الْقَاصِرَةُ بِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِلْأَصْلِ . إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْأَحْكَامِ , وَبِأَنَّ اعْتِبَارَهَا إعْمَالٌ لِلدَّلِيلَيْنِ مَعًا , دَلِيلِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَدَلِيلِ الْقَاصِرَةِ , بِخِلَافِ إلْغَائِهَا . ( وَيَجُوزُ تَعَدُّدُ أُصُولِ الْمُسْتَدِلِّ ) عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ الظَّنَّ يَقْوَى بِالتَّعَدُّدِ , وَكَمَا أَنَّ أَصْلَ الظَّنِّ مَقْصُودٌ , فَقُوَّتُهُ أَيْضًا مَقْصُودَةٌ ( وَ )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت