فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 738

وَهُوَ أَنْ يُبْدِيَ الْمُعْتَرِضُ مَعْنًى آخَرَ يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ غَيْرَ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ , وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ ( بِمَعْنًى آخَرَ مُسْتَقِلٍّ ) بِالتَّعْلِيلِ . كَمَا لَوْ عَلَّلَ الشَّافِعِيُّ تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ فِي الْبُرِّ بِالطُّعْمِ , فَعَارَضَهُ الْحَنَفِيُّ بِتَعْلِيلِ تَحْرِيمِهِ بِالْكَيْلِ أَوْ الْجِنْسِ أَوْ الْقُوتِ ( أَوْ ) تَكُونُ الْمُعَارَضَةُ بِمَعْنًى آخَرَ ( غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ ) بِالتَّعْلِيلِ . وَلَكِنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ وَصَالِحٌ لَهُ كَمَا لَوْ عَلَّلَ الشَّافِعِيُّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ . فَعَارَضَهُ الْحَنَفِيُّ بِتَعْلِيلِ وُجُوبِهِ بِالْجَارِحِ . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فِي قَبُولِ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ ( وَالثَّانِي ) وَهُوَ كَوْنُ الْمُعَارَضَةِ بِمَعْنًى غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ بِالتَّعْلِيلِ ( مَقْبُولٌ ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّحَكُّمُ ; لِأَنَّ وَصْفَ الْمُسْتَدِلِّ لَيْسَ بِأَوْلَى بِكَوْنِهِ جُزْءًا أَوْ مُسْتَقِلًّا . فَإِنْ رَجَحَ اسْتِقْلَالُهُ بِتَوْسِعَةِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ . فَلِلْمُعْتَرِضِ مَنْعُ دَلَالَةِ الِاسْتِقْلَالِ عَلَيْهَا , ثُمَّ لَهُ مُعَارَضَتُهُ بِأَنَّ الْأَصْلَ انْتِفَاءُ الْأَحْكَامِ , وَ بِاعْتِبَارِهِمَا مَعًا فَهُوَ أَوْلَى . قَالُوا: يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِقْلَالُهُمَا بِالْعِلِّيَّةِ فَيَلْزَمُ تَعَدُّدُ الْعِلَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ . رُدَّ بِالْمَنْعِ لِجَوَازِ اعْتِبَارِهِمَا مَعًا , كَمَا لَوْ أَعْطَى قَرِيبًا عَالِمًا ( وَلَا يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ بَيَانُ نَفْيِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ عَنْ الْفَرْعِ ) هَذَا بَحْثٌ يَتَفَرَّعُ عَلَى قَبُولِ الْمُعَارَضَةِ , وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ بَيَانُ أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي أَبْدَيْته مُنْتَفٍ فِي الْفَرْعِ أَوْ لَا ؟ فَاَلَّذِي قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَتَبِعَهُ فِي التَّحْرِيرِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ غَرَضَهُ عَدَمُ اسْتِقْلَالِ مَا ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ , وَهَذَا الْقَدْرُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ إبْدَائِهِ , وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ الْفَرْقَ , وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ قَالَ الْعَضُدُ: وَقِيلَ: إنْ تَعَرَّضَ لِعَدَمِهِ فِي الْفَرْعِ صَرِيحًا لَزِمَهُ بَيَانُهُ وَإِلَّا فَلَا , وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ . أَمَّا إنَّهُ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ [ بِهِ ] فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ: فَلِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا لَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ مَعَهُ , وَهَذَا غَرَضُهُ , لَا بَيَانُ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ , حَتَّى لَوْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ إلْزَامًا لَهُ , وَرُبَّمَا سَلَّمَهُ , وَأَمَّا أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِهِ [ لَزِمَهُ ] : فَلِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَمْرًا وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً , فَيَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ , وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا الْتَزَمَهُ ( وَلَا يَحْتَاجُ وَصْفُهَا ) أَيْ الْمُعَارَضَةَ ( إلَى أَصْلٍ ) هَذَا بَحْثٌ آخَرُ يَتَفَرَّعُ عَلَى قَبُولِ الْمُعَارَضَةِ , وَهُوَ أَنَّهُ: هَلْ يَحْتَاجُ الْمُعَارِضُ إلَى أَصْلٍ يُبَيِّنُ تَأْثِيرَ وَصْفِهِ الَّذِي أَبْدَاهُ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ , حَتَّى يُقْبَلَ مِنْهُ , بِأَنْ يَقُولَ: الْعِلَّةُ الطُّعْمُ دُونَ الْقُوتِ - كَمَا فِي الْمِلْحِ - أَمْ لَا ؟ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ حَاصِلَ هَذَا الِاعْتِرَاضِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا نَفْيُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ , وَيَكْفِيهِ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ عِلِّيَّتَهَا بِالِاسْتِقْلَالِ , وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ يُثْبِتَ عِلِّيَّةَ مَا أَبْدَاهُ بِالِاسْتِقْلَالِ . فَإِنَّ كَوْنَهُ جُزْءَ الْعِلَّةِ يُحَصِّلُ مَقْصُودَهُ فَقَدْ لَا يَكُونُ عِلَّةً فَلَا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلٍ أَصْلًا . وَإِمَّا صَدُّ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ لِجَوَازِ أَنَّ تَأْثِيرَ هَذَا وَالِاحْتِمَالِ كَافٍ , فَهُوَ لَا يَدَّعِي عِلِّيَّتَهُ , حَتَّى يَحْتَاجَ شَهَادَةَ أَصْلٍ . وَأَيْضًا فَإِنَّ أَصْلَ الْمُسْتَدِلِّ أَصْلُهُ ; لِأَنَّهُ كَمَا يَشْهَدُ لِوَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ بِالِاعْتِبَارِ ; كَذَلِكَ يَشْهَدُ لِوَصْفِ الْمُعْتَرِضِ بِالِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّ الْوَصْفَيْنِ مَوْجُودَانِ فِيهِ , وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ مَوْجُودٌ , بِأَنْ يَقُولَ: الْعِلَّةُ الطُّعْمُ أَوْ الْكَيْلُ أَوْ كِلَاهُمَا . كَمَا فِي الْبُرِّ بِعَيْنِهِ , فَإِذًا مُطَالَبَتُهُ بِأَصْلٍ مُطَالَبَةٌ لَهُ بِمَا قَدْ تَحَقَّقَ حُصُولُهُ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ . ( وَجَوَابُهَا ) أَيْ جَوَابُ الْمُعَارَضَةِ لَهُ وُجُوهٌ . الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ ( بِمَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ ) مِثْلَ أَنْ يُعَارِضَ الْقُوتَ بِالْكَيْلِ . فَيَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَكِيلٌ ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَادَةِ زَمَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ حِينَئِذٍ مَوْزُونًا ( وَالثَّانِي ) مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ( أَوْ الْمُطَالَبَةُ ) أَيْ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَدِلِّ الْمُعَارِضَ (

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت