فَسَأَلَهُ جَابِرٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَفْعَلُ ذَلِكَ . وَقَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ ذَلِكَ ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ فِعْلِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خِلَافُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ مُجَاهِدٌ صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَكُنْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَعَمَلُهُ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ نَسْخِهِ فَلَا يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ , فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرَ مُجَاهِدٌ مُعَارَضٌ بِمَا ذَكَرَ طَاوُسٌ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ يَفْعَلُ مَا يُوَافِقُ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام قُلْنَا يَجُوزُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ طَاوُسٌ قَبْلَ الْعِلْمِ بِنَسْخِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ بَعْدَمَا عَلِمَ بِهِ وَفَعَلَ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ مُجَاهِدٌ وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ وَيُنْفَى عَنْهُمْ الْوَهْمُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ وَإِلَّا سَقَطَ أَكْبَرُ الرِّوَايَاتِ , إلَيْهِ أُشِيرَ فِي شَرْحِ الْآثَارِ قَوْلُهُ ( وَأَمَّا عَمَلُ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ ) أَيْ مُحْتَمَلَاتِ الْحَدِيثِ بِأَنْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا فَعَمِلَ بِخُصُوصِهِ دُونَ عُمُومِهِ أَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا أَوْ بِمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ فَعَمِلَ بِأَحَدِ وُجُوهِهِ فَذَلِكَ رَدٌّ مِنْهُ لِسَائِرِ الْوُجُوهِ لَكِنْ لَا يَثْبُتُ الْجَرْحُ فِي الْحَدِيثِ بِهَذَا أَيْ بِعَمَلِ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ وَتَعْيِينِهِ , ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْحُجَّةَ هِيَ الْحَدِيثُ وَبِتَأْوِيلِهِ لَا يَتَغَيَّرُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَاحْتِمَالُهُ لِلْمَعَانِي لُغَةً وَتَأْوِيلُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ كَمَا لَا يَكُونُ اجْتِهَادُهُ حُجَّةً فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّأَمُّلُ وَالنَّظَرُ فِيهِ فَإِنْ اتَّضَحَ لَهُ وَجْهٌ وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ , وَذَلِكَ أَيْ الْحَدِيثُ الَّذِي عَمِلَ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما { الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا } لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا وَقَعَ التَّفَرُّقُ عَنْهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا قَالَ بِعْتُ وَالْمُشْتَرِي إذَا قَالَ اشْتَرَيْتُ فَقَدْ تَفَرَّقَا بِذَلِكَ الْقَوْلِ وَانْقَطَعَ مَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِيَارِ إبْطَالِ كَلَامِهِ بِالرُّجُوعِ وَإِبْطَالِ كَلَامِ صَاحِبِهِ بِالرَّدِّ وَعَدَمِ الْقَبُولِ . وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَنْقُولٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله , وَيَحْتَمِلُ التَّفَرُّقَ بِالْأَبْدَانِ وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ , أَحَدُهُمَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ بِعْتُ عَبْدِي بِكَذَا فَلِلْمُخَاطَبِ أَنْ يَقْبَلَ مَا لَمْ يُفَارِقْ صَاحِبَهُ فَإِذَا افْتَرَقَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله , وَالثَّانِي ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا بَدَنًا فَإِذَا تَفَرَّقَا سَقَطَ الْخِيَارُ وَيُسَمَّى ذَلِكَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ فَحَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ رَاوِيهِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما عَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ , وَلِهَذَا كَانَ إذَا بَايَعَ رَجُلًا وَأَرَادَ أَنْ لَا يُقِيلَهُ قَامَ يَمْشِي ثُمَّ يَرْجِعُ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي احْتِمَالِ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الْمَذْكُورَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا لَفْظًا فَلَا يَبْطُلُ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِتَأْوِيلِهِ وَكَانَ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ بِمَا اتَّضَحَ لَهُ مِنْ الدَّلِيلِ . وَمِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } أَيْ دِينَ الْحَقِّ فَكَلِمَةُ مَنْ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ , وَقَدْ خَصَّهُ الرَّاوِي بِالرِّجَالِ عَلَى مَا رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما , لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ , فَلَمْ يَعْمَلْ الشَّافِعِيُّ رحمه الله بِتَخْصِيصِهِ ; لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِ , وَكَانَ الشَّيْخُ أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله يُوَافِقُنَا فِي هَذَا الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَنَا فِي حَدِيثِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَأَثْبَتَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ لَا لِتَأْوِيلِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا خَصَصْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم بِالرِّجَالِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمُرْتَدَّةِ وَغَيْرِهَا لَا لِتَخْصِيصِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما هَذَا الْحَدِيثَ بِالرِّجَالِ , وَالِامْتِنَاعُ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ أَيْ بِالْحَدِيثِ مِثْلُ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً ; لِأَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَرَامٌ كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ بِخِلَافِهِ حَرَامٌ ,