ذَلِكَ الْخِلَافَ بِالْحَدِيثِ وَرَجَعَ إلَيْهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إحْسَانًا لِلظَّنِّ . أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ عَنْهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ بَعْدَ تَحْرِيمِهَا قَبْلَ بُلُوغِهِ إيَّاهُمْ مُعْتَقِدِينَ إبَاحَتَهَا فَلَمَّا بَلَغَهُمْ انْتَهَوْا عَنْهُ حَتَّى نَزَلَ قوله تعالى { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ } الْآيَةَ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ أَوْ الْفَتْوَى مِنْهُ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ أَوْ بَعْدَ بُلُوغِهِ إيَّاهُ وَذَلِكَ خِلَافُ يَقِينٍ , فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْ الْخِلَافَ جَرْحٌ فِيهِ أَيْ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ خِلَافَهُ إنْ كَانَ حَقًّا بِأَنْ خَالَفَ لِلْوُقُوفِ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ , فَقَدْ بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَيْ بِالْحَدِيثِ ; لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ أَوْ مَا هُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ سَاقِطُ الْعَمَلِ وَالِاعْتِبَارِ . وَإِنْ كَانَ خِلَافُهُ بَاطِلًا بِأَنْ خَالَفَ لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ وَالتَّهَاوُنِ بِالْحَدِيثِ أَوْ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَقَدْ سَقَطَتْ بِهِ رِوَايَتُهُ ; لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَكَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُغَفَّلًا وَكِلَاهُمَا مَانِعٌ مِنْ قَبُولِ الرِّوَايَةِ , فَإِنْ قِيلَ إنَّهُ إنَّمَا صَارَ فَاسِقًا بِالْخِلَافِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي قَبُولِ مَا رُوِيَ قَبْلَهُ كَمَا لَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ بَعْدَ الرِّوَايَةِ , قُلْنَا قَدْ بَلَغَ الْحَدِيثُ إلَيْنَا بَعْدَمَا ثَبَتَ فِسْقُهُ وَلَا بُدَّ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ الْإِسْنَادِ إلَيْهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا رَوَاهُ فِي الْحِلِّ وَهَذَا لِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِالِاسْتِدْلَالِ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ مَحْظُورِ دِينِهِ فَإِذَا لَمْ يُحْتَرَزْ ظَهَرَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ إنْ كَذَبَ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ وَجَبَ إسْقَاطُ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِهِ , وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَوْتِ وَالْجُنُونِ ; لِأَنَّ الْحَيَاةَ وَالْعَقْلَ كَانَا ثَابِتَيْنِ قَطْعًا فَلَا يُظْهِرُ الْمَوْتُ وَالْجُنُونُ عَدَمَهُمَا , وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ تَارِيخُهُ أَيْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عَمِلَ بِخِلَافِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ إلَيْهِ وَالرِّوَايَةِ أَوْ بَعْدَ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ فِي الْأَصْلِ بِيَقِينٍ , وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي سُقُوطِهِ ; لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْخِلَافُ قَبْلَ الرِّوَايَةِ وَالْبُلُوغِ إلَيْهِ كَانَ الْحَدِيثُ حُجَّةً وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الرِّوَايَةِ وَالْبُلُوغِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ , وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى أَحْسَنِ الْوَجْهَيْنِ وَاجِبٌ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ قَوْلُهُ . ( وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ ) أَيْ الْحَدِيثِ الَّذِي عَمِلَ الرَّاوِي بِخِلَافِهِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ مِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ فَإِنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ أَخِيهَا حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُنْذِرَ بْنَ زُبَيْرٍ , وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ كَانَ غَائِبًا بِالشَّامِ فَلَمَّا قَدِمَ غَضِبَ , وَقَالَ أَمِثْلِي يُصْنَعُ بِهِ هَذَا وَيُفْتَاتُ عَلَيْهِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَوَتَرْغَبُ عَنْ الْمُنْذِرِ ثُمَّ قَالَتْ لِلْمُنْذِرِ لَتُمَلِّكَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهَا فَقَالَ الْمُنْذِرُ إنَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا كُنْت أَرُدُّ أَمْرًا قَضَيْتِيهِ فَقَرَّتْ حَفْصَةُ عِنْدَهُ فَلَمَّا رَأَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ تَزْوِيجَهَا بِنْتَ أَخِيهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ جَائِزٌ وَرَأَتْ ذَلِكَ الْعَقْدَ مُسْتَقِيمًا حَتَّى أَجَازَتْ فِيهِ التَّمْلِيكَ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ صِحَّةِ النِّكَاحِ وَثُبُوتِهِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ تَرَى ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ مَا رَوَتْ فَثَبَتَ فَسَادُ مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ كَذَا فِي شَرْحِ الْآثَارِ , وَذَكَرَ فِي غَيْرِهِ فَلَمَّا أَنْكَحَتْ فَقَدْ جَوَّزَتْ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا دَلَالَةً ; لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمَّا انْعَقَدَ بِعِبَارَةِ غَيْرِ الْمُتَزَوِّجَةِ مِنْ النِّسَاءِ فَلَأَنْ يَنْعَقِدَ بِعِبَارَتِهَا أَوْلَى فَيَكُونُ فِيهِ عَمَلٌ بِخِلَافِ مَا رَوَتْ , أَوْ يُقَالُ لَمَّا أَنْكَحَتْ فَقَدْ اعْتَقَدَتْ جَوَازَ نِكَاحِهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى ; لِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ النِّكَاحَ لَا يَمْلِكُ الْإِنْكَاحَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَمَنْ مَلَكَ الْإِنْكَاحَ مَلَكَ النِّكَاحَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى . قَوْلُهُ ( وَمِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ ) رَوَى جَابِرٌ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ فِي الصَّلَاةِ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَحِينَ رَكَعَ وَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ