فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 738

968 -وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي قَاتِلِ أَبِي جَهْلٍ . فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: { كُنْت: يَوْمَ بَدْرٍ بَيْنَ شَابَّيْنِ حَدِيثٍ أَسْنَانُهُمَا أَحَدُهُمَا مُعَوِّذُ ابْنُ عَفْرَاءَ وَالْآخَرُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ فَقَالَ لِي أَحَدُهُمَا: أَيْ عَمُّ أَتَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ ؟ قُلْت: وَمَا شَأْنُك بِهِ ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَاَللَّهِ لَوْ لَقِيته لَمَا فَارَقَ سَوَادِي سَوَادَهُ , حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا مَوْتًا , وَغَمَزَنِي الْآخَرُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ . ثُمَّ لَقِيت أَبَا جَهْلٍ وَهُوَ يُسَوِّي صَفَّ الْمُشْرِكِينَ . فَقُلْت: ذَاكَ صَاحِبُكُمَا الَّذِي تُرِيدَانِهِ . فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَاهُ . وَجَاءَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْته فَلِي سَلَبُهُ . فَقَالَ عليه السلام: أَمَسَحْتُمَا سَيْفَكُمَا ؟ فَقَالَا: لَا: أَرِيَانِي سَيْفَكُمَا . فَأَرَيَاهُ فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ . ثُمَّ أَعْطَى السَّلَبَ مُعَوِّذَ ابْنَ عَفْرَاءَ } . وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ إنَّمَا خَصَّهُ ; لِأَنَّهُ رَأَى أَثَرَ الطِّعَانِ عَلَى سَيْفِهِ فَعَلِمَ أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ وَأَنَّهُ أَعَانَهُ الْآخَرُ . وَرُوِيَ أَنَّهُ بَعَثَ إلَى عِكْرِمَة بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَسَأَلَهُ: مَنْ قَتَلَ أَبَاك ؟ فَقَالَ: الَّذِي قَطَعْت أَنَا يَدَهُ . وَإِنَّمَا كَانَ قَطَعَ يَدَ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ مِنْ الْمَنْكِبِ . وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ أَثْخَنَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ . عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: { كُنْت أُفَتِّشُ الْقَتْلَى يَوْمَ بَدْرٍ لِأُبَشِّرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْ أَرَاهُ مَقْتُولًا مِنْهُمْ . فَرَأَيْت أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا بِهِ رَمَقٌ . فَجَلَسْت عَلَى صَدْرِهِ , فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: يَا رُوَيْعِيَّ الْغَنَمِ , لَقَدْ ارْتَقَيْت مُرْتَقًى عَظِيمًا . فَقُلْت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَكَّنَنِي مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَ: لِمَنْ الدَّبْرَةُ ؟ فَقُلْت: لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَهُ ؟ فَقُلْت: أَحُزُّ رَأْسَك . فَقَالَ: خُذْ سَيْفِي فَهُوَ أَمْضَى لِمَا تُرِيدُ , وَاقْطَعْ رَأْسِي مِنْ كَاهِلِي لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ . وَإِذَا رَجَعْت إلَى مُحَمَّدٍ فَأَخْبِرْهُ أَنِّي الْيَوْمَ أَشَدُّ بُغْضًا لَهُ مِمَّا كُنْت مِنْ قَبْلُ . فَقَالَ: قَطَعْت رَأْسَهُ وَأَتَيْت بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْت: هَذَا رَأْسُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ عليه السلام: اللَّهُ أَكْبَرُ . هَذَا فِرْعَوْنِي وَفِرْعَوْنُ أُمَّتِي . كَانَ شَرُّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي أَعْظَمَ مِنْ شَرِّ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى وَأُمَّتِهِ , ثُمَّ نَفَّلَنِي سَيْفَهُ } . زَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: { وَأَخْبَرْته بِمَا قَالَ , فَقَالَ: إنَّهُ كَفَرَ فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ مَوْتِهِ , وَسَيَكْفُرُ فِي النَّارِ أَيْضًا . قَالَ: وَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: إذَا دَخَلَ النَّارَ جَعَلَ يَنْظُرُ وَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ أَيْنَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هُمْ فِي الْجَنَّةِ . قَالَ: كَلًّا , إنَّمَا كَانَ الْيَوْمُ يَوْمَ زَحْمَةٍ ص 201 فَهَرَبُوا } . وَالرِّوَايَاتُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى ابْنَ مَسْعُودٍ سَيْفَهُ . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَيْضًا أَعْطَاهُ سَلَبَهُ . فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي جَرَحَهُ مَا أَثْخَنَهُ , فَيَكُونُ قَاتِلُهُ مَنْ قَطَعَ رَأْسَهُ . وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ أَعْطَى سَلَبَهُ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ أَثْخَنَهُ وَصَيَّرَهُ بِحَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقِتَالُ , فَيَكُونُ السَّلَبُ لَهُ دُونَ مَنْ قَطَعَ رَأْسَهُ . وَإِنَّمَا أَعْطَى سَيْفَهُ ابْنَ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ كَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا بَيَّنَّا . وَبِهَذَا يَسْتَدِلُّ مَنْ يُجَوِّزُ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَعْطَاهُ سَيْفَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّنْفِيلِ . وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِهِ بِالتَّنْفِيلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَهُ الْإِمَامُ لِغَيْرِهِ , كَيْفَ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى سَيْفِهِ فِضَّةٌ ؟ وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ لَا نَفْلَ فِي ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ , عَلَى مَا بَيَّنَهُ , وَإِنْ كَانَ هَذَا تَنْفِيلًا , فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت