964 -وَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّنْفِيلَ جَائِزٌ قَبْلَ الْإِصَابَةِ , لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ . فَإِنَّ الْإِمَامَ مَأْمُورٌ بِالتَّحْرِيضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ } فَهَذَا الْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِكُلِّ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ , وَالتَّحْرِيضُ بِالتَّنْفِيلِ , فَإِنَّ الشُّجْعَانَ قَلَّ مَا يُخَاطِرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ إذَا لَمْ يُخَصُّوا بِشَيْءٍ مِنْ الْمُصَابِ . فَإِذَا خَصَّهُمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ فَذَلِكَ يُغْرِيهِمْ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ بِأَرْوَاحِهِمْ وَإِيقَاعِ أَنْفُسِهِمْ فِي حَلْبَةِ الْعَدُوِّ . وَصُورَةُ هَذَا التَّنْفِيلِ أَنْ يَقُولَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ , وَمَنْ أَخَذَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ . كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُنَادِي حِينَ نَادَى يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ . أَوْ يَبْعَثُ سَرِيَّةً فَيَقُولُ: لَكُمْ الثُّلُثُ مِمَّا تُصِيبُونَ بَعْدَ الْخُمُسِ . أَوْ يُطْلِقُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ , فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَهُمْ ثُلُثُ الْمُصَابِ قَبْلَ أَنْ يُخَمَّسَ , يَخْتَصُّونَ بِهِ , وَهُمْ شُرَكَاءُ الْجَيْشِ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ مَا يُرْفَعُ مِنْهُ الْخُمُسُ , وَعِنْدَ التَّنْفِيلِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا , ثُمَّ يَكُونُ لَهُمْ الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ يَخْتَصُّونَ بِهِ , وَهُمْ شُرَكَاءُ الْجَيْشِ فِيمَا بَقِيَ . وَلَا يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ بِدُونِ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ عِنْدَنَا . وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَتَلَ مُشْرِكًا عَلَى وَجْهِ الْمُبَارَزَةِ وَهُوَ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ , وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ التَّنْفِيلُ مِنْ الْإِمَامِ . لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ عليه السلام: { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ } لِنَصْبِ الشَّرْعِ . وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ فِي لِسَانِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لِبَيَانِ السَّبَبِ كَقَوْلِهِ: { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } ( ص 199 ) .
965 -وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذَا لَوْ أَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ , وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ قَالَ هَذَا إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ . فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام قَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَغَازِيهِ { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ } إلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ . وَذَلِكَ بَعْدَ مَا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَوَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى تَحْرِيضِهِمْ لِيَكُرُّوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: { ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ } . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ أَيْضًا . وَقَدْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ يَوْمَئِذٍ مَعْلُومَةً , فَإِنَّهُمْ كَانُوا كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي قَوْلِهِ: { وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ لِلتَّحْرِيضِ . لَا بِطَرِيقِ نَصْبِ الشَّرْعِ وَأَيَّدَ مَا قُلْنَا مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ قَالَ: { كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحَاصِرًا وَادِيَ الْقُرَى , فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي الْغَنَائِمِ ؟ فَقَالَ: لِلَّهِ سَهْمٌ وَلِهَؤُلَاءِ أَرْبَعَةٌ . قَالَ: فَالْغَنِيمَةُ يَغْنَمُهَا الرَّجُلُ ؟ قَالَ: إنْ رُمِيتَ فِي جَنْبِك بِسَهْمٍ فَاسْتَخْرَجْتَهُ فَلَسْتَ بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ . } فَهَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِدُونِ التَّنْفِيلِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله: لَا نَفْلَ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَأَهْلُ الشَّامِ يُجَوِّزُونَ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ , وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَا قُلْنَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ . لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ وَذَلِكَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ لَا بَعْدَهَا . وَلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِإِثْبَاتِ الِاخْتِصَاصِ ابْتِدَاءً , لَا لِإِبْطَالِ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْغَانِمِينَ , أَوْ الْإِبْطَالُ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي الْخُمُسِ لِأَرْبَابِهَا وَفِي التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ إبْطَالُ الْحَقِّ .