قالَ لي إنَّ رَقيبِي ... سَيِّئُ الخُلق فَدَارِهْ
قلتُ دَعني وَجهكَ الجنَّ ... ةُ حُفَّتْ بالمكارِهْ (1)
وكقول الشاعر (2) :
فلو كانتِ الأخلاق تُحْوَى وراثةً ولو كانتِ الآراءُ لا تتشعّبُ
لأصبحَ كلُّ الناس قدْ ضمَّهم هوًى كما أنَّ كلَّ الناسِ قدْ ضمَّهم أبُ
ولكنها الأقدارُ «كلٌّ مُيَسَّرٌ لما هو مخلوق لهٌ» (3) ومُقَرَّبُ
وكقول القائل (4) :
لا تُعادِ النَّاسَ في أَوْطانِهمُ ... قَلَّما يُرْعى غَريبُ الوَطَنِ
وإذا ما شئتَ عَيْشًا بينهُمْ ... خالِقِ النَّاسَ بخُلْقٍ حَسَنِ (5)
هو أن يضمِّنَ الشاعرُ كلامَه شيئًا من مشهورِ شعرِ الغير ِمع التنبيهِ عليه ،إنْ لم يكن مشهورًا لدى نقادِ الشِّعر، وذوي اللسنِ، وبذلك يَزْدَادُ شعرهُ حُسْنًا، كقول الصاحبِ بن عبَّاد (7) :
أَشكو إليكَ زمانًا ظلَّ يعركني ... عَرْكَ الأديمِ من يَعْدو على الزَّمَنِ
وصاحبًا كنتُ مغبُوطًا بصُحبتهِ . .. دهرًا فغادَرَني فَرْدًا بلا سَكنِ
هبَّتْ لهُ ريحُ إقبالٍ فطارَ بها ... إلى السُّرورِ وأَلجاني إلى الحَزَنِ
نأَى بجانبه عنِّي وصَيَّرَني ... مع الأسى ودواعي الشَّوق في قَرَنِ
وباعَ صَفْوَ ودادٍ كنتُ أَقصُرُهُ .. . عليه مجتهدًا في السِّرِّ والعَلَنِ
وكان غالَى به حينًا فأرخَصَهُ ... يا من رأَى صَفْوَ وُدٍّ بيعَ بالغَبَنِ
كأَنَّه كانَ مطويًّا على إِحنٍ ... ولم يكن في قديمِ الدَّهْرِ أَنشدَني
إنَّ الكرام إذا ما أَيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزلِ الخَشِنِ
وكقول الشاعر (8) :
إذا ضاقَ صدري وخفتُ العدا تمثلتُ بيتًا; بحالي يليقْ
فباللهِ أبلغُ ما أرتجي وباللهِ أدفعُ ما لا أطيقْ
وكقول الحريري: يحكي ما قاله الغلامُ الذي عرضَه أبو زيد للبيعِ (9) :
على أَنِّي سَأُنْشِدُ عنْدَ بَيْعِي ... أَضاعُونِي وأَيّ فَتًى أَضَاعُوا
فالمصراعُ الأخيرُ للعرْجي، وهو محبوسٌ وأصله (10) :
أَضاعُوني وأيّ فتًى أَضَاعُوا ... ليوم كَريهَةٍ وسِدادِ ثَغْرِ
وصَبْر عندَ مُعْتَرَكِ المَنايا ... وقد شَرَعَتْ أَسِنَّتُها بنَحْرِي
أُجَرَّرُ في المجامِعِ كلّ يومٍ . . . فيا للهِ مظلَمَتي وصَبْرِي
كأَنِّي لمْ أَكنْ فيهم وَسيطًا .. . ولم تَكُ نسبَتِي في آلِ عمرو
3 -العقدُ:
هو نظم ُالنثرِ مطلقًا لا على وجهِ الاقتباسِ، ومن شروطهِ أنْ يؤخذَ المنثورُ بجملةِ لفظهِ، أو بمعظمهِ، فيزيدُ الناظمُ فيه وينقصً، ليدخلَ في وزنِ الشعر.
(1) - أخرج مسلم برقم ( 7308 ) ٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ » .
(2) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 130) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 17)
(3) - أخرج البخارى برقم (4949 ) عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى جَنَازَةٍ فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ فَقَالَ « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ » . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ قَالَ « اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ » . ثُمَّ قَرَأَ ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ) الآيَةَ . ينكت: يضرب
(4) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 7 / ص 375) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 130) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 412) والبلاغة الواضحة بتحقيقي - (ج 1 / ص 8) -يرعى غريب الوطن: أى يلحظ بالإحسان.
(5) - أخرج الترمذى برقم ( 2115 ) َنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ » وهو صحيح .
(6) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 59) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 138) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 14) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 267) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 304) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 130) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 240) وكتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 404)
(7) - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 418) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 17)
(8) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 130) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 18)
(9) - مقامات الحريري - (ج 1 / ص 80) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 130) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 414) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 18)
(10) - تهذيب الآثار للطبري - (ج 1 / ص 207) وزهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 310) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 228) والمحاسن والمساوئ - (ج 1 / ص 176) والشعر والشعراء - (ج 1 / ص 125) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 6 / ص 61) ومعجم الأدباء - (ج 2 / ص 482) وصبح الأعشى - (ج 2 / ص 409) والأغاني - (ج 1 / ص 113) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 130) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 414) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 18)