فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 101

صَرِيعٌ تَقَاضَاهُ السّيُوفُ حُشَاشَةً، يَجُودُ بها، والمَوْتُ حُمْرٌ أظافرُهْ

فهل تستطيعُ أن تُبعِدَ عن خيالك هذه الصورة المخيفةَ للموت، وهي صورة ُحيوانٍ مفترس ضرِّجتْ أظافره بدماءِ قتلاه؟

لهذا كانتِ الاستعارةُ أبلغَ من التشبيه البليغ؛ لأنه - وإِنْ بنيَ على ادعاءِ أن المشبَّه والمشبَّه به سواءٌ -لا يزالُ فيه التشبيه منْوِيًّا ملحوظًا ،بخلافِ الاستعارة فالتشبيهُ فيها مَنْسيٌّ مجحُودٌ؛ ومن ذلك يظهر لك أنَّ الاستعارةَ المرشحةَ أبلغُ من المطْلَقَةِ، وأن المطلقةَ أبلغُ من المجردة.

أمَّا بلاغةُ الاستعارة ِمن حيثُ الابتكارُ ورَوْعَةُ الخيال، وما تحدثُه من أثر في نفوس سامعيها، فمجالٌ فسيحٌ للإبداعِ، وميدانٌ لتسابق المجيدين من فُرسانِ الكلام.

انظر إلى قوله عزَّ شأْنه في وصف النار: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} (8) سورة الملك (1) ،ترتسم ُأمامك النارُ في صورة مخلوقِ ضَخْمٍ بطَّاشٍ مكفهرِّ الوجه عابسٍ يغلي صدرُه حقدًا وغيظًا.

ثم انظر إلى قول أبى العتاهية في تهنئة المهدي بالخلافة (2) :

أتتْهُ الخِلاَفَةُ مُنْقادَةً ... إلَيْهِ تُجَرِّرُ أذْيالَها

تجد أن الخِلافة غادةٌ هيفاءُ مُدَلَّلَة ملولٌ فُتِن الناسُ بها جميعًا، وهي تأْبى عليهم وتصدُّ إِعراضًا، ولكنها تأْتي للمهدي طائعة في دلال وجمال تجرُّ أَذيالها تيهًا وخفرًا.هذه صورةٌ لا شك رائعةٌ أَبْدع أَبو العتاهية تصويرَها، وستبقى حُلوةً في الأسماع حبيبةً إِلى النفوس ما بقيَ الزمانُ.

ثم اسمع قول البارودي (3) :

إِذَا اسْتَلَّ مِنْهُمْ سَيِّدٌ غَرْبَ سَيْفِهِ تفزَّعتِ الأفلاكُ ، والتفَتَ الدَهرُ

وخبرني عما تحسُّ وعما ينتابك من هولٍ. مما تسمع. وقل لنا كيفَ خطرتْ في نفسك صورةُ الأَجرام السماوية العظيمةِ حيَّةً حساسة تَرتعِد فَزَعًا وَوَهَلا، وكيف تصورتَ الدهرَ وهو يلتفتُ دهشًا وذهولًا؟

ثم اسمع قوله في منفاهُ وهو نهْبُ اليأْسِ والأملِ (4) :

أَسْمَعُ فِي قَلْبِي دَبِيبَ الْمُنَى وألمحُ الشُّبهة َ في خاطِرِي

تجدْ أَنه رسمَ لك صورةً للأمل يتمَشى في النفس تمشيًّا مُحَسًّا يسمعه بأْذنه. وأنَّ الظنون والهواجسَ صار لها جسمٌ يراه بعينه؛ هل رأَيت إِبداعًا فوق هذا في تصويره الشك والأمل يتجاذبان؟ وهل رأيت ما كان للاستعارة البارعة من الأَثر في هذا الإِبداع؟

ثم انظر قولَ الشريف الرضي في الودَاعِ (5) :

نَسرِقُ الدّمعَ في الجُيوبِ حَياءً وَبِنَا مَا بِنَا مِنَ الإشفَاقِ

هو يسرقُ الدمعَ حتى لا يُوصمَ بالضعفِ والخَور ساعةَ الوداعِ، وقد كان يستطيعُ أن يقول:"نَستُر الدمع في الجيوب حياءً"؛ ولكنه يريد أن يسمو إِلى نهاية المُرْتقى في سحر البيان، فإن الكلمة"نسْرِقُ"ترسُم في خيالك صورةً لشدةِ خوفهِ أَن يظهر فيه أثرٌ للضعفِ، ولمهارتهِ وسرعتهِ في إِخفاء الدمع عن عيون الرقباءِ. ..

الأسئلة:

ما هي الاستعارةُ؟

ما أركانها؟

كم قسمًا للاستعارة باعتبار ذكر الطرفين المشبَّه به والمشبَّه؟

ما أصلُ الاستعارة ؟

-عرف الاستعارةَ التصريحية ؟

كم قسمًا للاستعارة التصريحية ؟

-كم قسما للاستعارة باعتبار ذكر ملائمِ المستعارِ له، والمستعارِ منه ؟

ما هي الاستعارةُ المكنيةُ ؟

-ما هي الاستعارة التمثيليةُ ؟

الفصلُ الرابعُ - في الكنايةِ(6)

*-الكناية لغة: ما يتكلمُ به الإنسانُ، ويريد به غيره، وهي: مصدر كنيت، أو كنوت بكذا، عن كذا، إذا تركت التصريح به .

واصطلاحًا: لفظٌ أريد به غيرُ معناهُ الذي وضعَ له، مع جواز إرادةِ المعنى الأصليِّ، لعدم وجود قرينةٍ مانعة من إرادته، نحو: « زيدٌ طويل ُالنجادُ » تريد بهذا التركيب أنه شجاعٌ عظيم، فعدلت عن التصريح بهذه الصفة، إلى الإشارة إليها بشيءٍ تترتب عليه وتلزمه، لأنه يلزم من طول حمالةِ السيف طولُ صاحبه، ويلزم من طول الجسمِ الشجاعةُ عادةً، فإذًا: المراد طولُ قامته، وإنْ لم يكن له نجادٌ، ومع ذلك يصحُّ أن يراد المعنى الحقيقيَّ ، ومن هنا يعلَمُ أنَّ الفرقَ بين الكناية والمجاز صحةُ إرادةِ المعنى الأصليِّ في الكناية، دون المجازِ، فإنه ينافي ذلك، نعم: قد تمتنعُ إرادة ُالمعنى الأصليِّ في الكناية، لخصوصِ الموضوعِ كقوله تعالى: (وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر/67] ) ،وكقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه/5] ) كنايةٌ عن تمام القدرةِ، وقوةِ التمكُّنِ والاستيلاءِ (7) .

وتنقسمُ الكنايةُ بحسبِ المعنى الذي تُشيرُ إليه إلى ثلاثةِ أقسامٍ:

1-كنايةٌ عن صفةٍ:

(1) - تتميز غيظًا: تتقطع غضبًا على الكفرة، وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم، والفوج: الجماعة، والاستفهام في قوله تعالى: {ألم يأتكم نذير} ؟ للتوبيخ.

(2) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 2 / ص 362) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 133) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 69) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 62) والشعر والشعراء - (ج 1 / ص 170)

(3) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 28 / ص 472)

-غرب السيف: حده، وتفزعت: ذعرت أي أصابها الذعر وهو الخوف.

(4) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 29 / ص 23)

(5) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 3 / ص 156)

(6) - والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 104) و جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 14) والمعجم الوسيط - (ج 2 / ص 520)

(7) - ومذهب السلف ترك التعرض لهذه الآيات ، وعدم تأوليها ، مع تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوقات لقوله تعالى: {.. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (11) سورة الشورى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت