(3) - إذا كان اللفظُ المستعارُ اسمًا مشتقًا، أو اسمًا مبهمًا، « دون باقي أنواع ِالتبعيةِ المتقدِّمَة» فالاستعارةُ « تبعيةٌ مكنيةٌ» ،وسميتْ (تبعيةً) لأنَّ جريانِها في المشتقاتِ، والحروفِ، تابعٌ لجريانها أولًا: في الجوامدَ، وفي كلياتِ معاني الحروفِ، يعني: أنها سميتْ تبعيةً لتبعيتِها لاستعارةِ أخرى، لأنها في المشتقاتِ تابعةً للمصادرِ، ولأنها في معاني الحروفِ تابعةً لمتعلّقِ معانيها، إذ معاني الحروفِ جزئيةٌ، لا تتصورُ الاستعارةُ فيها إلا بواسطة كليٍّ مستقلٍّ بالمفهوميةِ ليتأتَّى كونُها مشبَّهًا، ومشبَّها بها، أو محكومًا عليها، أو بها.
نحو: ركبَ فلانٌ كتفي غريَمهُ ، أي: لازمَه ملازمةً شديدة ً .
وكقوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة/5] ) ، أي تمكنوا منَ الحصول على الهدايةِ التّامَّةِ ، ونحو: (أذقتَهُ لباسَ الموتِ) أي ألبستُه إياهُ.
و في الحروفِ كقوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) [القصص/8، 9] }
قال القرطبىُّ (1) :"قوله - تعالى -: { فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } لما كان التقاطهُم إياهُ يؤدّي إلى كونه لهم عدوًّا وحزنًا؛ فاللام في { ليكونَ } لام العاقبة ولام الصيرورة؛ لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّةَ عين ، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوًّا وحزنًا ، فذكر الحال بالمآل؛ كما قال الشاعر (2) :"
وللمنايا تُربِّي كلُّ مُرْضِعةٍ ... ودُورُنا لخراب الدهر نَبْنِيها
وقال آخرُ (3) :
فلِلْمَوت تَغْدُّو الوالداتُ سِخَالَها ... كما لِخَرابِ الدَّهْر تُبْنَى المَساكنُ
أي فعاقبة البناء الخراب وإن كان في الحال مفروحًا به . والالتقاط ُوجود الشيءِ من غير طلبٍ ولا إرادةٍ . والعربُ تقول لما وجدته من غير طلب ولا إرادة: التقطهُ التقاطًا . ولقيتُ فلانًا التقاطًا . قال الراجز (4) :
ومَنْهَلٍ وَرَدْتُه الْتِقَاطَا لم أَرَ إِذْ وَرَدْتُهُ فُرَّاطَا
ومنه اللقطة"."
ويرى بعضُهم أنَّ اللام هنا يصحُّ أن تكون للتعليلِ ، بمعنى ، أنَّ الله - تعالى - سخَّر بمشيئتهِ وإرادتهِ فرعونَ وآله . لالتقاط موسى ، ليجعله لهم عدوًّا وحزنًا ، فكأنَّه - سبحانه - يقول: قدَرنا عليهم التقاطَه بحكمتِنا وإرادتِنا ، ليكون لهم عدوا وحزنا .
فالقرينة: هي الأمرُ الذي ينصِّبُه المتكلمُ دليلًا على أنه أراد باللفظِ غيرَ معناهُ الحقيقيِّ .
وهي نوعانِ: لفظيةٌ وغير لفظيةٍ .
فاللفظيةُ: هي ما دل َّعليها بلفظٍ يذكَرُ في الكلام ليصرفَه عن معناهُ الحقيقيِّ، ويوجهَهُ إلى معناهُ المجازيِّ المرادِ على أن يكونَ من ملائماتِ المشبَّه به في الاستعارةِ التصريحيةِ، ومن ملائماتِ المشبَّهِ في الاستعارةِ المكنيةِ
وأما غيرُ اللفظيةِ: فهي التي دُلَّ عليها بأمرٍ خارجٍ عن اللفظِ ، وهذا النوعُ من القرينةِ يسمَّى (قرينةً حاليةً ) لأنها أمرٌ عقليٌّ لا يدَلُّ عليه بلفظٍ من الكلامِ ، بل يدَلُّ عليه بالحالِ كقول الحطيئة (6) :
ماذا تَقُولُ لأَفْراخٍ بِذِي مَرَخٍ ... حُمْرِ الحَواصِلِ لا ماءُ ولا شَجَرُ
أَلْقَيْتَ كاسِيَهُمْ في قَعْرِ مُظْلِمَة ... فاغْفِرْ، عليكَ سَلامُ اللّهِ يا عُمَرُ
فكلمةُ أفراخٍ استعارةٌ ، فقد شبَّه الشاعرُ أطفالَه الصغارِ بأفراخِ الطيرِ بجامعِ العجز ِوالحاجةِ إلى الرعايةِ في كلٍّ منهما، ثم استعارَ الأفراخَ على سبيل الاستعارةِ التصريحيةِ الأصليةِ .
المبحث ُالخامسُ- تقسيمُ الاستعارة إلى تصريحية وإلى مكنية
أولا-الاستعارةُ التصريحيةُ: هي ما صُرَّحَ فيها بلَفظِ المشبَّه بهِ.
كقوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة/6] ) ،والصراطُ الطريقُ ،فقد شبَّه الدينَ بالصراطِ بجامعِ التوصيل إلى الهدفِ في كلٍّ منهما وحذفَ المشبَّه وهو الإسلامُ وأبقى المشبَّهَ بهِ .
وقوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(1) [إبراهيم/1] )، فقد شبَّه الكفرَ بالظلماتِ والإيمانَ بالنورِ وحذفَ المشبَّه وأبقى المشبَّهَ به
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 4203)
(2) - الجليس الصالح والأنيس الناصح - (ج 1 / ص 460)
(3) - حياة الحيوان الكبرى - (ج 1 / ص 388) ومختار الصحاح - (ج 1 / ص 278)
(4) - فصل المقال في شرح كتاب الأمثال - (ج 1 / ص 507) وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال - (ج 1 / ص 508) والأمثال لابن سلام - (ج 1 / ص 70) والجليس الصالح والأنيس الناصح - (ج 1 / ص 412) والمستقصى في أمثال العرب - (ج 1 / ص 135) وتاج العروس - (ج 1 / ص 4951) ولسان العرب - (ج 7 / ص 392)
(5) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 103) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 165-175) وكتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 1288)
(6) - تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي - (ج 1 / ص 29) ومختارات شعراء العرب - (ج 1 / ص 40) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 58) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 407) وخزانة الأدب - (ج 1 / ص 406) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 349) وطبقات فحول الشعراء - (ج 1 / ص 15) والكامل في اللغة والادب - (ج 1 / ص 17) والأغاني - (ج 1 / ص 170) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 19 / ص 43)