فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 101

فقد شبَّه َالمنيةَ، بالسبعِ، بجامعِ الاغتيالِ في كلٍّ، واستعارَ السبعَ للمنيةِ وحذفَه، ورمزَ إليه بشيءٍ من لوازمهِ، وهو (الأظفارُ) على طريق الاستعارةِ المكنيةِ الأصليةِ، وقرينتُها لفظة ُ «أظفار» ،ثم أخذَ الوهمَ في تصوير ِ المنيةِ بصورةِ السبعِ، فاخترعَ لها مثل صورةِ الأظفارِ، ثم أطلقَ على الصورةِ التي هي مثلُ صورةِ الأظفارِ، لفظَ (الأظفارِ) فتكونُ لفظةُ (أظفارٍ) استعارة ً (تخييليةً) لأنَّ المستعارَ له لفظُ أظفارِ صورةً وهميةً، تشبهُ صورةَ الأظفارِ الحقيقيةِ، وقرينتُها إضافتُها إلى المنيةِ، ونظرًا إلى أن َّ (الاستعارةَ التخييليةَ) قرينةُ المكنيةِ، فهي لازمةٌ لا تفارقُها، لأنّه لا استعارةَ بدونِ قرينةٍ.

وإذًا: تكونُ أنواعُ الاستعارة ثلاثةً: تصريحّيةً، ومكنّيةً، وتخييليةّ .

المبحثُ الثالث -في الاستعارة باعتبارِ الطرفينِ

في الاستعارة باعتبار اللفظِ المستعارِ إن كان المستعارُ له محققًا حسًّا بأنْ يكونَ اللفظُ قد نقلَ إلى أمرٍ معلومٍ، يمكنُ أن يشارَ إليه إشارةً حسيةً كقولك: رأيتُ بحرًا يعطي.

أو كانَ المستعارُ له محققًا عقلاُ بأنْ يمكنَ أن ينصَّ عليه،ويشارَ إليه إشارةً عقليةً، كقوله تعال: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) [الفاتحة: 6] أي: الدينَ الحقَّ، فالاستعارةُ تحقيقيةٌ.

وإن لم يكنِ المستعارُ له محققًا، لا حسًّا ولا عقلا ً فالاستعارة ُتخييليةٌ ، وذلك: كالأظفارِ، في نحو: أنشبتِ المنيةُ أظفارَها بفلانٍ.

وأما قولُ زهير (1) :

صَحا القَلبُ عن سلمى وأقصرَ باطِلُهْ وَعُرّيَ أفْرَاسُ الصِّبَا وَرَوَاحِلُهْ

فيحتملُ أنْ يكونَ استعارةً تخييليةً ، وأنْ يكونَ استعارةً تحقيقيةً، أمَّا التخييلُ فإنه يكونُ أراد أنْ يبينَ أنه ترك ما كان يرتكبُه أو انَ المحبةِ من الجهلِ والغيِّ، وأعرضَ عن معاودتهِ فتعطلتْ آلاتهُ، كأيِّ أمرٍ وطِّنَ في النفس على تركه ِ ،فإنه تهمَلُ آلاتهُ فتتعطلُ، فشبَّه الصِّبا بجهةٍ من جهاتِ المسيرِ كالحجِّ والتجارة ِقضَى منها الوطرَ فأهملَ آلاتِها فتعطلتْ، فأثبتَ له الإفراسُ والرواحلُ، فالصَّبا على هذا من الصَّبوة (2) بمعنى الميلِ إلى الجهلِ والفتوة ِ،لا بمعنَى الفتاءَ (3) وأمَّا التحقيقُ فإنه يكونُ أرادَ دواعي النفوسِ وشهواتِها والقوى الحاصلةَ لها في استيفاءِ اللذاتِ أو الأسبابِ التي قلما تتآخذُ في اتباعِ الغيِّ إلا أوانِ الصِّبا.

المبحث الرابعُ - في الاستعارة باعتبار اللفظِ المستعارِ

*- تكونُ الاستعارةُ باعتبار اللفظِ المستعارِ في الأفعالِ أو المشتقاتِ أو الحروفِ على النحو التالي:

(1) -إذا كانَ اللفظُ المستعارُ «اسمًا جامدًا لذاتٍ» كالبدرِ إذا استعيرَ للجميلِِ ،أو «اسمًا جامدًا لمعنًى» كالقتلِ إذا استعيرَ للضربِ الشديدِ ، سميتِ الاستعارةُ « أصليَّةً» كقوله تعالى: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (1) سورة إبراهيم ، وكقوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (24) سورة الإسراء

وسمِّيتْ أصليةً لعدمِ بنائها على تشبيهٍ تابعٍ لتشبيهٍ أخرَ معتبَرٍ أوَّلًا .

وكقول المتنبي يمدح بدر بن عمار (4) :

في الخّدّ أنْ عَزَمَ الخَليِطُ رَحيلا ... مَطرٌ يَزيدُ بهِ الخُدُودُ مُحُولا

يقول: إذا عزمَ الخليط ُرحيلًا بكى المحبُّ بكاءً مثلَ المطر، إلا أنهُ لا ينبتُ العشبَ كغيره من الأمطار، والخدودُ يزيد محلُها به .

(2) - إذا كان اللفظ المُستعارُ « فعلًا» أو اسمَ فعلٍ، أو اسمًا مشتقاًّ أو اسمًا مبهمًا أو حرفًا فالاستعارةُ « تصريحيةٌ تبعيةٌ» نحو: نامتْ همومي عنّي، ونحو: صهٍ: الموضوعُ للسكوتِ عن الكلام، والمستعملُ مجازًا في ترك الفعل، ونحو: الجنديُّ قاتلَ اللصَّ، بمعنى ضاربَه ضربًا شديدًا، ونحو: هذا: الموضوعةُ للإشارة ِ الحسيَّةِ، والمستعملةُ مجازًا في الإشارةِ العقليةِ نحو: هذا رأيٌ حسنٌ، ونحوقوله تعالى على لسان فرعون: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه/71] ) ، ونحو قوله تعالى عن موسى عليه السلام: (فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص/8] ) .

(1) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 100) و نقد الشعر - (ج 1 / ص 32) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 61) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 42) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 21) و نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 371) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 21 / ص 154) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 166)

(2) - الصَّبْوَة جَهْلَة الفُتُوَّةِ واللَّهْوِ من الغَزَل ومنه التَّصابي والصِّبا صَبا صَبْوًا وصُبُوًّا وصِبىً وصَباءً"لسان العرب - (ج 14 / ص 449) "

(3) - الفَتاء بالفتح والمدّ: المصدَرُ مِن الفَتِيّ السِّنّ . يقال: فَتِيٌّ بَيِّن الفَتَاء: أي طَرِيُّ السِّنّ مختار الصحاح - (ج 1 / ص 234) والنهاية في غريب الأثر - (ج 3 / ص 778)

(4) - تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي - (ج 1 / ص 74) وشرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 114) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 134) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 68) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 131)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت