فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 101

البابُ الثالثُ

علمُ البيانِ

*-البيانُ لغةً: الكشفُ، والإيضاحُ، والظهُّورُ

واصطلاحًا: أصولٌ وقواعدُ، يعرفُ بها إيرادُ المعنَى الواحدِ، بطرقٍ يختلفُ بعضُها عن بعضٍ، في وُضوحِ الدّلالةِ العقليةِ على نفسِ ذلك المعنَى، فالمعنَى الواحدُ يُستطاعُ أداؤهُ بأساليبَ مُختلفةٍ، في وضوحِ الدّلالةِ عليه فإنكَ تقرأُ في بيانِ فضلِ العلمِ - مثلا - قولَ الشاعر (1) :

العلمُ ينهضُ بالخسيسِ إلى العلَى… والجهلُ يقعدُ بالفتَى المنسوبِِ

وكقول الشاعر (2) :

تَعَلَّمْ، فَلَيْسَ المَرْءُ يُولَدُ عالِمًا ... ولَيْسَ أَخُو عِلْمٍ كمَنْ هو جاهِلُ

ثمَّ تقرأُ في المعنى نفسِه،ما نسبَ للإمامِ عليٍّ رضي الله عنه (3) : العلمُ نهرٌ، والحكمةُ بحرٌ، والعلماءُ حولَ النهّرَ يطوفونَ،والحكماءُ وسطَ البحرِ يغوصونَ، والعارفونَ في سفنِ النّجاةِ يسيرونَ.

فتجدُ أنَّ بعضَ هذه التراكيبَ أوضحُ من بعضٍ، كما تراه يضعُ أمام عينيكَ مشهدًا حسيًا، يقرَّبُ إلى فهمك ما يُريدُ الكلام عنه من فضلِ العلمِ.

فهو: يشبِّههُ بنهرٍ، ويشبِّهُ الحكمةَ ببحرِ.

ويصورُ لك أشخاصًا طائفين حول ذلك النهرِ همُ العلماءُ.

ويصورُ لك أشخاصًا غائصينَ وسطَ ذلك البحر ِهمُ الحكماءُ.

ويصورُ لك أشخاصًا راكبين سفنًا ماخرةً في ذلك البحرِ للنجاةِ من مخاطرِ هذا العالمِ هم أربابُ المعرفةِ.

ولا شكَّ أنَّ هذا المشهدَ البديعَ يستوقفُ نظركَ، ويستثيرُ إعجابكَ من شدَّةِ الرَّوعةِ والجمالِ المُستمدَّةِ من التشبيهِ، بفضل البيانِ الذي هو سرُّ البلاغةِ.

*- وموضوع ُ هذا العلمِ: الألفاظُ العربيةُ، من حيثُ التشبيهُ، والمجازُ، والكنايةُ.

*- وواضعُهُ: أبو عبيدةَ الذي دَوّنَ مسائلَ هذا العلمِ في كتابهِ المُسمَّى مجازَ القرآنِ، وما زال ينمو شيئًا فشيئًا، حتى وصلَ إلى عبد القاهر الجرجانيِّ فأحكمَ أساسَهُ، وشيَّدَ بناءَه، ورتَّبَ قواعدَهُ، وتبعَهٌ الجاحظُ، وابنُ المعتزّ وقُدَامةُ بن جعفر وأبو هلالٍ العسكريِّ.

*- وثمرتُهٌ: الوقوفُ على أسرارِ كلامِ العربِ منثورِه ومنظومِه ،ومعرفةُ ما فيه من تفاوتٍ في فنونِ الفصاحةِ، وتبايُنٍ في درجاتِ البلاغةِ التي يصلُ بها إلى مرتبةِ إعجازِ القرآنِ الكريمِ، الذي حارَ الجنُّ والإنسُ في مُحاكاتهِ وعجزوا عن الإتيانِ بمثلهِ.

وفي هذا الفنِّ أبوابٌ ومباحثُ.

الفصلُ الأولُ - في التشبيهِ (4)

*-تمهيدٌ:

للتّشبيهِ روعةٌ وجمالٌ، وموقعٌ حسنٌ في البلاغةِ، وذلكَ لإخراجهِ الخفيَّ إلى الجليِّ، وإدنائهِ البعيدَ منَ القريبِ، يزيدُ المعاني رفعةً ووضوحًا، ويكسبُها جمالًا وفضلًا، ويكسوها شرفًا ونُبلًا، فهو فنٌّ واسعُ النطاقِ، فسيحُ الخطوِ، ممتدُ الحواشي، مُتَشعبُ الأطرافِ ، مُتوعرُ المسلكِ، غامضُ المدركِ، دقيقُ المجرَى ،غزيرُ الجدَوى.

(1) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 11)

(2) - روضة العقلاء و نزهة الفضلاء - (ج 1 / ص 9) ولباب الآداب لأسامة بن منقذ - (ج 1 / ص 67) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 140) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 83) والبيان والتبيين - (ج 1 / ص 66) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 10 / ص 346)

(3) - نسبه في المستطرف في كل فن مستظرف - (ج 1 / ص 20) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 11) ولم أجده في مصدر موثوق ، والراجح أنه منحول عليه ، وهو من كلام المتأخرين

(4) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 71و85) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 11) والبلاغة الواضحة بتحقيقي - (ج 1 / ص 2) وعلم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت