1-العهدُ الذكريُّ، وهو ما تقدمَ فيه ذكرُ المسندِ إليه صريحًا، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} (15) سورة المزمل ، فإنَّ (الرسولَ) تقدّمَ ذكره صريحًا، لكنَّ المثالَ ليس للمسندِ إليه، إذِ الرسولُ مفعولٌ في المقامِ، وإنما المثالُ المطابق قول الشاعر:
أتاني شخصًا لابسًا ثوبَ سؤددٍ وما الشخصُ إلا منْ كرامِ الأقاربِ
2 -العهدُ الذهنيُّ، وهو ما تقدمَ فيه ذكر المسنَد إليهِ تلويحًا، قال تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (36) سورة آل عمران ،فإنه لم يسبق ذكر (الذكَر) صريحًا، وإنّما أشيرَ إليهِ في قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (35) سورة آل عمران، فإنّ (ما) يرادُ منه الذكَرُ، لأنه القابلُ لخدمةِ المسجدِ. وقد كانوا لا يُحررون لخدمةِ بيتِ المقدس إلا الذكورَ، وهو المعنيُّ بـ «ما» ويسمَّى كنائيًا.
3 -العهدُ الحضوريُّ، وهو ما كان المسنَدُ إليه حاضرًا بذاتهِ، قال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } (3) سورة المائدة ، فإنَّ (اليومَ) وهو يومُ عرفة ـ الذي أكملَ اللهُ تعالى دينهُ في حجة الوداع ِ ، ومثلهُ ما بمنزلةِ الحاضرِ، نحو: هل انعقدَ المجلسُ؟ فيما كانَ المجلسُ في شرفِ الانعقادِ.
أل الجنسيةُ: وتسمَّى لامَ الحقيقةِ: تدخلُ على المسنَدِ إليه لأغراضٍ أربعةٍ:
1 -للإشارةِ إلى الحقيقةِ من حيثُ هي بقطعِ النظر عن عمومِها وخصوصِها، نحو: الإنسانُ حيوانٌ ناطقٌ.
وتسمَّى لام َالجنسِ، لأنَّ الإشارةَ فيه إلى نفسِ الجنسِ، بقطعِ النظر عن الأفرادِ نحو: الذهبُ أثمنُ مِنَ الفضَّةِ.
2 -أو للإشارةِ إلى الحقيقةِ في ضمن فردٍِ مُبهَمٍ، إذا قامتِ القرينةُ على ذلك، كقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} (13) سورة يوسف. ومدخولُها في المعنى كالنكرةِ فيُعامل مُعاملتَها.وتسمَّى لامَ العهدِ الذِّهنيِّ.
3 -أو للإشارةِ إلى كلِّ الأفراد التي يتناولُها اللفظُ بحسب اللغةِ ،ولها حالتان:
أ - بمعونة قرينةٍ حاليةٍ نحو قوله تعالى: (عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادة) [الأنعام: 73، التوبة: 94] . أيْ كلُّ غائبٍ وشاهدٍ.
ب - أو بمعونةِ قرينةٍ لفظيةٍ نحو قوله تعالى: (إنَّ الإنسان لَفِي خِسْر) [العصر: 2] . أيْ كلُّ إنسانٍ بدليلِ الاستثناءِ بعده. ويسمَّى استغراقًا حقيقيًا.
4 -أوْ للإشارة ِإلى كلّ الأفرادِ مقيَّدًا نحو: جمعَ الأميرُ التُّجارَ، وألقَى عليهم نصائحَه، أيْ جمعَ الأميرُ تجَّارَ مملكتهِ لا تجَّارَ العالَمِ أجمعَ. ويسمَّى استغراقًا عُرفيًا.
تنبيهاتٌ
التنبيهُ الأولُ: علِمَ مما تقدمَ أنَّ أل التعريفيةَ قسمانِ: القسمُ الأولُ: لامُ العهد الخارجيِّ، وتحتهُ أنواعٌ ثلاثةٌ: صريحيُّ وكنائيٌّ وحضوريُّ.
والقسمُ الثاني: لامُ الجنس: وتحتهُ أنواعٌ أربعةٌ: لامُ الحقيقةِ من حيثُ هي، ولامُ الحقيقة في ضمنِ فرد مبهَمٍ، ولامُ الاستغراقِ الحقيقيِّ، ولامُ الاستغراقِ العرفيِّ.
التنبيهُ الثاني: استغراقُ المفردِ أشملُ من استغراق المثنَّى، والجمعِ، واسمِ الجمعِ.
لأنَّ المفردَ يتناولُ كلَّ واحدٍ واحدٍ من الأفرادِ.والمثنَّى إنما يتناولُ كلَّ اثنينِ اثنينِ.والجمعُ إنما يتناولُ كلَّ جماعةٍ جماعةٍ بدليلِ صحةِ: لا رجالَ في الدارِ، إذا كان فيها رجلٌ أو رجلانِ، بخلافِ قولك: لا رجلَ، فإنه لا يصحُّ إذا كان فيها رجلٌ أو رجلانِ.
وهذه القضيةُ ليستْ بصحيحةٍ على عمومِها، وإنما تصحُّ في النكرةِ المنفيةِ، دونَ الجمع المعرَّفِ باللام، لأنَّ المعرَّفَ بلامِ الاستغراقِ يتناولُ كلَّ واحدٍ من الأفرادِ نحو قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء.. } (34) سورة النساء ،بل هو في المفردِ أقوى، كما دلَّ عليه الاستقراءُ وصرحَ به أئمةُ اللغةِ وعلماءُ التفسيرِ في كلِّ ما وقعَ في القرآنِ العزيزِ نحو قوله تعالى: {.. أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..} (33) سورة البقرة ، {..وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (134) سورة آل عمران ، {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..} (31) سورة البقرة ,إلى غير ذلك من آيِ الذكرِ الحكيمِ كما في المطولاتِ.
وأمّا تعريفُ المسنَدِ إليهِ بالإضافةِ فهو لأمور (1) :
1-أنه أخصرُ طريقٍ لإحضارهِ في ذهنِ المخاطَب، كقوله: (زرتُ والدَكَ) ؟
2 -تعذّرُ التعدادِ، كقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) [الرحمن/26، 27] .
3 -تعسّرُ التعدادِ، كقوله: (زارني أصدقائي) لمنْ أصدقاؤُه كثيرونَ.
4 -الخروجُ عن تبعةِ تقديمِ بعضٍ على بعضٍ، كقوله: (جاءُ أمراءُ الجيشِ) .
5 -تعظيمُ المضافِ، كقوله: (خادمُ السلطانِ يبغي مطلبًا) تعظيمًا للخادمِ بأنه خادمُ السلطانِ.
6 -تعظيمُ المضافِ إليه، كقول الشاعر:
إذا ما رأيتَ الكسائيَّ فقلْ صنيعُك أضحَى أميرَ البلادِ
تعظيمًا للكسائيِّ بأنَّ صنيعَه صارَ أميرًا.
(1) - علم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 2)