وكقول سراج الدين الوراق (1) :
أصُونُ أديمَ وجهي عَن أُنَاس … …لقاءُ الموتِ عِنْدهُم الأديبُ
وَرَبُّ الشِّعرِ عندهُمُ بَغِيضٌ … …وَلَوْ وَافَى بهِ لَهُمُ"حبَيبُ"
*- وهي تنقسمُ إلى قسمينِ:
(1) - مجردةٌ: وهي التي لم تقترنْ بما يلائمُ المعنيين: كقول الخليل لما سأله الجبار عن زوجته: فقال «هذه أختي» (2) - أراد أخوةَ الدِّينِ، وكقوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام/60] ) يريدُ بجرحتم المعاصي .
(2) - مرشَّحةٌ: وهي التي اقترنتْ بما يلائمُ المعنى القريبَ، وسميتْ بذلك لتقويتِها به، لأنَّ القريبَ غيرُ مراد، فكأنهُ ضعيفٌ، فإذا ذكر لازمُه تقوَّى به، نحو قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (47) سورة الذاريات، فإنه يحتمل (الجارحةَ) وهو القريبُ، وقد ذكر من لوازمه البنيانُ على وجهِ الترشيحِ ، ويحتمل (القدرةَ ) وهو البعيدُ المقصودُ.
وقال ابن نباتة:
أقولُ وقد شنوّا إلى الحربِ غارةً دعوني فإني آكلُ العيشَ بالجبْنِ
الشاهدُ فيه: العيشُ والجبنُ ، فالعيشُ يعني الخبز ويعني الحياة ، والجبنُ يعني المصنوع من اللبن ، ويعني الخوَرُ عكسُ الشجاعةِ .
أو كقول بعضهم (3) :
فإنْ ضيعتُ فيه جميعَ مالي فكمْ منْ لحيةٍ حُلقتْ بموسَى
فيه التورية المرشحة، بذكر اللحية والحلق، وهما يناسبانِ المورَّى به وهو «موسى الحديدِ» والمورَّى عنه الاسمُ المذكورُ.
ويقول الشاعر:
حماة في بهجتها جَنةٌ وهيَ منَ الغمِّ لنا جُنّه
لا تيأسوا من رحمةِ اللهِ فقد رأيتمُ العاصيَ في الجنَّه
في هذا الكلام تورية مرشحة، فإنَّ ذكر الرحمة ترشيحٌ للفظِ العاصي المورَّى به الذي هو من العصيانِ، والمورَّى عنه النهرُ المعروف الذي عبر حماه.
الأسئلةُ:
عرفِ التوريةَ لغةً واصطلاحًا
هات مثالًا على التوريةِ المجردةِ ومثالًا على التوريةِ المرشحة
*-المبالغةُ: هي أن يدَّعيَ المتكلّمُ لوصف، بُلوغُهُ في الشدةِ أو الضعف حداًّ مستبعدًا، أو مستحيلًا،
*-أنواع المبالغةِ: تنحصرُ المبالغةُ في ثلاثة أنواع:
الأول- تبليغٌ: إن كان ذلك الادّعاء للوصف من الشدة أو الضعف ممكنًا عقلًا وعادةً، نحو قوله تعالى: {... ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ..} (40) سورة النور
وكقول الشاعر في وصف فرسٍ (5) :
إذا ما سابقَتها الرّيحُ فرّتْ، وأبقَتْ في يدِ الرّيح التّرابا
وكقول امرئ القيس يصف فرسًا (6) :
فَعَادَى عِداءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ ... دِرَاكًا ولَمْ يَنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَلِ
(1) - شاعر مصري رقيق، برع في التورية وغيرها من أنواع البديع، وله شعر كثير جيد، ولد سنة 615 هـ ومات سنة 695 هـ. جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 15) والبلاغة الواضحة بتحقيقي - (ج 1 / ص 8)
(2) - ففي صحيح مسلم برقم (6294 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِىُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَطُّ إِلاَّ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ ثِنْتَيْنِ فِى ذَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ (إِنِّى سَقِيمٌ) . وَقَوْلُهُ (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) وَوَاحِدَةً فِى شَأْنِ سَارَةَ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ فَقَالَ لَهَا إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِى يَغْلِبْنِى عَلَيْكِ فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِى فَإِنَّكِ أُخْتِى فِى الإِسْلاَمِ فَإِنِّى لاَ أَعْلَمُ فِى الأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِى وَغَيْرَكِ فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لاَ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلاَّ لَكَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُتِىَ بِهَا فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى الصَّلاَةِ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً فَقَالَ لَهَا ادْعِى اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِى وَلاَ أَضُرُّكِ. فَفَعَلَتْ فَعَادَ فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الأُولَى فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَفَعَلَتْ فَعَادَ فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فَقَالَ ادْعِى اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِى فَلَكِ اللَّهَ أَنْ لاَ أَضُرَّكِ. فَفَعَلَتْ وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ وَدَعَا الَّذِى جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِى بِشَيْطَانٍ وَلَمْ تَأْتِنِى بِإِنْسَانٍ فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِى وَأَعْطِهَا هَاجَرَ. قَالَ فَأَقْبَلَتْ تَمْشِى فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ انْصَرَفَ فَقَالَ لَهَا مَهْيَمْ قَالَتْ خَيْرًا كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ وَأَخْدَمَ خَادِمًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِى مَاءِ السَّمَاءِ.
(3) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 16)
(4) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 116) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 16)
(5) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 22 / ص 44)
(6) - تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 18) وجمهرة أشعار العرب - (ج 1 / ص 31) وخزانة الأدب - (ج 1 / ص 389) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 303) وأمالي القالي - (ج 1 / ص 239) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 10 / ص 381) وتاج العروس - (ج 1 / ص 7377)