فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 101

البابُ الثاني

في علم المعاني

المبحثُ الأول- مقدمات ٌ

إنَّ الكلامَ البليغَ: هو الذي يُصورُِّه المتكلِّمُ بصورةٍ تناسبُ أحوال المخاطبين، وإذًا لابُدَّ لطالبِ البلاغة أن يدرس هذه الأحوال، ويَعرفَ ما يجبُ أن يُصَوَّرَ به كلامهُ في كل حالةٍ، فيجعلَ لكلِّ مقامٍ مقَالًا.

وقد اتفقَ رجالُ البيانِ على تسميةِ العلم الذي تُعرَفُ به أحوالُ اللّفظِ العربيَّ التي بها يُطابقُ اقتضاءَ الحال: باسمِ «علمِ المعاني » (2) .

تعريفُ علمِ المعاني، وموضوعُه وواضعُهُ:

(1) علمُ المعاني أصولٌ وقوَاعِد يُعرَف بها أحوالُ الكلامِ العربيِّ التي يكونُ بها مُطابقًا لِمقتضَى الحال، بحيثُ يكونُ وفقَ الغَرَضِ الذيِ سِيقَ لهُ.

فذكاءُ المُخاطَب: حالٌ تَقتضي إيجازَ القول، فإذا أوَجزتَ في خطابهِ كان كلامُك مطابقًا لمقتضَى الحالِ، وغباوتُه حالٌ تقتضي الإطنابَ والإطالةَ ، فإذا جاءَ كلامُك في مخاطبتهِ مطنبًا: فهو مطابقٌ لمُقتضَى الحال، ويكونُ كلامُك في الحالين بليغًا، وَلو أنكَ عكستَ لانتفتْ منْ كلامِك صفةُ البلاغةِ.

(2) وَموضوعُه - اللَّفظُ العربيُّ، من حيثُ إفادتُه المعاني الثَّواني التي هي الأغراضُ المقصودةُ للمتكلّم، من جعلِ الكلام مشتملًا على تلك اللَّطائفَ والخصوصيّاتِ، التي بها يُطابقُ مُقتضَى الحال.

(3) وفائدتُهُ:

(ا) - معرفةُ إعجازِ القرآن الكريمِ، من جهةِ ما خصَّهُ اللهُ به من جودةِ السبَّكِ، وحُسن الوصفِ، وبَراعةِ التَّراكيبِ ، ولُطفِ الإيجاز ،وما اشتملَ عليه من سُهولةِ الترَّكيبِ، وجزالةِ كلماتهِ، وعُذوبِة ألفاظهِ وسلامتِها ، إلى غير ذلك من محاسنهِ التي أقعدتِ العربَ عن مناهضتِه، وحارتَ عقولهُم أمامَ فصاحتهِ وبلاغتهِ.

وكذلكَ معرفة أسرارِ كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فهو أبلغُ البلغاءِ ، وأفضلُ من نطقَ بالضادِ ، وذلك ليصارَ للعملِ بها ، ولاقتفاء أثره في ذلكَ .

(ب) -الوقوفُ على أسرارِ البلاغةِ والفصاحةِ- في مَنثورِ كلامِ العرب ومنظومِه- كي تحتذيَ حذوهُ، وتَنسُجَ على منوالهِ، وتَفرِّقَ بين جَيِّدِ الكلام ورديئِهِ.

(4) وواضعه - الشيخُ (عبدُ القاهرِ الجُرجانيِّ) (3) المُتوفَّى سنة 471 هـ

(5) واستمدادُه - من الكتابِ الشَّريفِ، والحديث النَّبويِّ وكلامِ العربِ.

المبحثُ الثاني - الخبرُ

*-تعريفُه (4) :

كلامٌ يحتملُ الصدقَ والكذبَ لذاتهِ ،وإن شئتَ فقل: «الخبرُ هو ما يتحقّقُ مدلولهُ في الخارجِ بدون النطقِ به» نحو: العلمُ نافعٌ . فقد أثبتنا صفةَ النفعِ للعلم، وتلكَ الصفةُ ثابتةٌ له، سواءٌ تلفظتَ بالجملةِ السابقة أمْ لم تتلفظْ.

لأنَّ نفعَ العلمِ أمرٌ حاصلٌ في الحقيقةِ والواقعِ، وإنما أنتَ تحكي ما اتفقَ عليه الناسُ قاطبةً، وقضَتْ به الشرائعُ، وهديتْ إليه العقولُ، بدونِ نظر ٍإلى إثباتٍ جديدٍ.

والمرادُ: بصدقِ الخبر مُطابقتُه للواقعِ ونفسِ الأمر ،والمرادُ بكذبهِ عدمُ مطابقتهِ له، فجملةُ: العلمُ نافعٌ - إن كانتْ نسبتُه الكلاميَّة ُ (وهي ثبوتُ النفعِ المفهومةِ من تلك الجملةِ) مطابقةً للنسبةِ الخارجيّةِ - أي موافقةً لما في الخارجِ والواقعِ «فصدْقٌ» وإلا «فكذِبٌ» ، نحو «الجهلُ نافعٌ» فنسبتهُ الكلاميةُ ليستْ مطابقةً وموافقةً للنسبةِ الخارجيةِ

*-المقاصد والأغراض التي من أجلها يُلقى الخبر (5)

الأصلُ في الخبر أن يلقَى لأحدِ غرضينِ:

(أ) - إمَّا إفادةُ المخاطبِ الحكمَ الذي تضمنتْهُ الجملةُ، إذا كان جاهلًا له، ويسمَّى هذا النوع ُ « فائدةُ الخبرِ» نحو قولِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم « الدِّينُ النَّصِيحَةُ » (6) .

(1) -نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 5 / ص 185) و سيرة ابن هشام - (ج 2 / ص 661) والعقد الفريد - (ج 1 / ص 489) وإسنادها صحيح

(2) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 3)

(3) - هو عبد القار بن عبد الرحمن الجرجاني: فارسي الأصل جرجاني الدار كان ذا ثقافة نحوية عميقة، وله في النحو مؤلفات، ولثقافته أثر في نظرته إلى النقد والبلاغة، ويقول القفطي: إنه كان ضيق العطن لا يستوفي الكلام على ما يذكره مع قدرته على ذلك (انظر ترجمته في أنباه الرواة 2: 188 وبغية الوعاة: 310 وطبقات الشافعية 3: 242

(4) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 3)

(5) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 3)

(6) - أخرجه مسلم برقم ( 205 )

(ب) - وإمَّا إفادةُ المخاطبِ أنَّ المتكلمَ عالمٌ أيضًا بأنهُ يعلمُ الخبرَ، كما تقولُ لتلميذٍ أخفَى عليكَ نجاحُه في الامتحانِ - وعلمتَه من طريقٍ آخرَ: أنتَ نجحتَ في الامتحانِ، ويسمَّى هذا النوعُ « لازمَ الفائدةِ» ، لأنه يلزم ُ في كلِّ خبرٍ أن يكونَ المخبَرُ به عنده علمٌ أو ظَن بهِ.

وقد يخرجُ الخبرُ عن الغرضينِ السابقينِ إلى أغراضٍ أخرى تُستفادُ بالقرائنَ، ومنْ سياقِ الكلامِ.

أهمها:

(1) - الاسترحامُ والاستعطافُ، نحو: إني فقيرٌ إلى عفوِ ربِّي .

(2) - تحريكُ الهمةِ إلى ما يلزمُ تحصيلُه، نحو قول الشاعر (1) :

سَلي إنْ جهلتِ النَّاسَ عنَّا وعنكمُ ... وليسَ سواءٌ عالمٌ وجهُولُ

(3) -إظهارُ الضعفِ والخشوعِ، نحو قولهِ تعالى على لسان النبي زكريا عليه السلامُ: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [مريم/4] ) .

(4) -إظهارُ التحُّسرِ على شيءٍ محبوبٍ نحو قوله تعالى على لسان أمِّ مريمَ عليها السلامُ: (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران/36] ) .

(5) -إظهارُ الفرحِ بمقبلٍ ، والشماتةِ بمدبرٍ، نحو قوله تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81) [الإسراء/81] ).

(6) -التوبيخُ كقولكِ: للعاثرِ: (الشمسُ طالعةٌ) .

(7) - التَّذكيرُ بما بين المراتبِ من التَّفاوتِ - نحو قوله تعالى: { لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) } [الحشر/20، 21] ، ونحو قولنا: (لا يستوي كسلانٌ ونشيطٌ) .

(8) - التحذيرُ - نحو قولهِ صلى الله عليه وسلَّم: « أَبْغَضُ الْحَلاَلِ إِلَى اللَّهِ الطَّلاَقُ » (2) .

(9) الفخرُ نحو قولِ النبي صلى الله عليه وسلم: « أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » (3) .

(10) المدحُ كقول النابغةِ في المديحِ (4) :

فإِنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ ... إِذا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهنَّ كَوْكَبُ

وقد يجيءُ لأغراضٍ أخرى - والمرجعُ في معرفة ذلك إلى الذوقِ والعقلِ السليمِ.

المبحثُ الثالثُ -أضربُ الخبرِ (5)

حيثُ كان الغرضُ من الكلام الإفصاحَ والإظهارَ، يجبُ أن يكونَ المتكلمُ مع المخاطَبِ كالطبيبِ مع المريضِ، يشخِّصُ حالتَهُ، ويعطيهِ ما يناسبُها.

فحقُّ الكلامِ:، أن يكونَ بقدرِ الحاجةِ، لا زائدًا عنها، لِئلا يكونَ عبثًا، ولا ناقصًا عنها، لئلا يُخِلَّ بالغرضِ، وهو: الإفصاحُ والبيانُ.

لهذا - تختلفُ صورُ الخبرِ في أساليب اللغةِ باختلافِ أحوالِ المخاطبِ الذي يعتريهِ ثلاثةُ أحوالٍ:

أولا - أنْ يكونَ المخاطبُ خاليَ الذهنِ من الخبرِ، غيرَ مترددٍ فيه.ولا منكرٍ له - وفي هذه الحالِ لا يؤكدُ له الكلامُ، لعدم الحاجةِ إلى التوكيد نحو قوله تعالى: « الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» [الكهف/46] .

ويسمَّى هذا الضربُ من الخبرِ (ابتدائيًا) ، ويستعملُ هذا الضربُ حين يكون المخاطبُ خاليَ الذهنِ من مدلولِ الخبرِ ، فيتمكنُ فيه لمصادفتهِ إياهُ خاليًا .

ثانيًا - أنْ يكونَ المخاطبُ مترددًا في الخبرِ، طالبًا الوصولَ لمعرفتهِ، والوقوفَ على حقيقته، فيستحسنُ تأكيدُ الكلامِ المُلقَى إليه تقويةً للحُكم، ليتمكَّنَ من نفسهِ، ويطرحَ الخلافَ وراء ظهرهِ، نحو: إنَّ الأميرَ منتصرٌ.

ويسمَّى هذا الضربُ من الخبرِ (طلبيًا) ويؤتَى بالخبرِ من هذا الضربِ حين يكونُ المخاطبُ شاكَّا في مدلولِ الخبرِ، طالبًا التثبُّتَ من صدقهِ.

ثالثًا - أنْ يكونَ المخاطَبُ منكرًا للخبرِ الذي يرادُ إلقاؤهُ إليه، معتقدًا خلافَهُ، فيجبُ تأكيدُ الكلامِ له بمؤكدٍ أو مؤكدينِ أو أكثرَ، على حسبِ حالهِ من الإنكارِ، قوةً وضعفًا ، نحو: إنَّ أخاك قادمٌ - أو إنهُ لقادمٌ - أو واللهِ إنه لقادمٌ، أو لعمري إنَّ الحقَ يعلو ولا يُعلَى عليهِ.وكقوله تعالى: { إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } [البقرة/120] ،وكقوله تعالى عن النبي يعقوب عليه السلام: { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ } [يوسف/68]

ويسمَّى هذا الضربُ من الخبر (إنكاريًا) ، ويؤتَى بالخبرِ من هذا الضربِ حين يكونُ المخاطَبُ مُنكرًا، واعلمْ أنهُ كما يكونُ التأكيد في الإثباتِ، يكون في النفي أيضًا، نحو: ما المقتصدُ بمفتقرٍ، ونحو: واللهِ ما المُستشيرُ بنادمٍ.

*- لتوكيدِ الخبر أدوات كثيرة، أشهرُها إنَّ، وأنَّ، ولام الابتداءِ، وأحرفَ التنبيه، والقسمِ، ونونا التوكيد، والحروف َالزائدة (كتفعل واستفعل) والتكرارَ، وقدْ، وأمَّا الشرطيةُ، وإنما واسميةُ الجملةِ، وضميرَ الفصل، وتقديمَ الفاعل المعنويِّ.

*-خروجُ الخبر عن مقتضَى الظاهرِ:

قدْ تقتضي الأحوالُ العدولَ عن مقتضَى الظاهرِ، ويورَدُ الكلامُ على خلافهِ لاعتباراتٍ يلحظُها المتكلِّمُ ومنها:

(1) - البيت للسموأل من قصيدة له منتهى الطلب من أشعار العرب - (ج 1 / ص 368) ونقد الشعر - (ج 1 / ص 35) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 19) وخزانة الأدب - (ج 4 / ص 47) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 315)

(2) - سنن ابن ماجه برقم (2096 ) و السنن الكبرى للبيهقي برقم (15292) وهو حديث حسن لغيره ، وصحح جمع من الأئمة إرساله

(3) - أخرجه مسلم برقم ( 6079 )

(4) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 69) و المصون في الأدب - (ج 1 / ص 24) ونقد الشعر - (ج 1 / ص 13) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 156) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 51) والشعر والشعراء - (ج 1 / ص 27)

(5) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت